الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائتين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر مرض المأمون ووصيته

وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات فيه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة .

وكان سبب مرضه ما ذكره سعد بن العلاف القارئ قال : دعاني المأمون [ ص: 577 ] يوما ، فوجدته جالسا على جانب البذندون ، والمعتصم عن يمينه ، وهما قد دليا أرجلهما في الماء ، فأمرني أن أضع رجلي في الماء ، وقال : ذقه ! فهل رأيت أعذب منه ، أو أصفى صفاء ، أو أشد بردا ؟ ففعلت ، وقلت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت مثله قط . فقال : أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم . فقال : الرطب الآزاذ .

فبينما هو يقول [ هذا ] إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت ، فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف ، فقال لخادم [ له ] : انظر إن كان في هذه الألطاف رطب آزاذ ، فأت به ! فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما آزاذ كأنما جني تلك الساعة ، فأظهر شكرا لله - تعالى - وتعجبنا جميعا ، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء ، فما قام منا أحد إلا وهو محموم ، وكانت منية المأمون من تلك العلة ، ولم يزل المعتصم مريضا حتى دخل العراق ، وبقيت أنا مريضا مدة .

فلما مرض المأمون أمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين ، وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد ، وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس ، وبحضرة الفقهاء ، والقضاة ، والقواد ، وكانت وصيته ، بعد الشهادة ، والإقرار بالوحدانية ، والبعث ، والجنة ، والنار ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والأنبياء - : إني مقر مذنب ، أرجو وأخاف ، إلا أني إذا ذكرت عفو الله رجوت ، وإذا مت فوجهوني ، وغمضوني ، وأسبغوا وضوئي وطهوري ، وأجيدوا كفني ، ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ جعلنا من أمته المرحومة ، ثم أضجعوني على سريري ، ثم عجلوا بي ، وليصل علي أقربكم نسبا وأكبركم سنا ، وليكبر خمسا ، ثم احملوني وابلغوا بي حفرتي ، ولينزل بي أقربكم قرابة ، وأودكم محبة .

وأكثروا من حمد الله وذكره ، ثم ضعوني على شقي الأيمن ، واستقبلوا بي القبلة ، ثم حلوا كفني عن رأسي ورجلي ، ثم سدوا اللحد واخرجوا عني ، وخلوني وعملي ، وكلكم لا يغني عني شيئا ، ولا يدفع عني مكروها ، ثم قفوا بأجمعكم ، فقولوا خيرا إن علمتم ، وأمسكوا عن ذكر شر إن كنتم عرفتم ، فإني مأخوذ من بينكم بما تقولون ، ولا تدعوا باكية عندي ، فإن المعول عليه يعذب ، رحم الله عبدا اتعظ وفكر فيما حتم الله على خلقه [ ص: 578 ] من الفناء ، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه ، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء ، وقضى على جميع خلقه الفناء .

[ ثم ] لينظر ما كنت فيه من عز الخلافة ، هل أغنى عني ذلك شيئا إذ جاء أمر الله ؟ لا والله ، ولكن أضعف علي به الحساب ، فياليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرا ، بل ليته لم يكن خلقا .

يا أبا إسحاق ، ادن مني ، واتعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام ، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد لله ، الخائف من عقابه وعذابه ، ولا تغتر بالله ومهلته ، فكأن قد نزل بك الموت ، ولا تغفل أمر الرعية والعوام ، فإن الملك بهم وبتعهدك لهم ، الله الله فيهم ، وفي غيرهم من المسلمين ، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته ، وآثرته على غيره من هواك .

وخذ من أقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم في شيء ، وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم ، وقربهم ، وتأن بهم ، وعجل الرحلة عني ، والقدوم إلى دار ملكك بالعراق ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم ، فلا تغفل عنهم في كل وقت ، والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد ، واكنفه بالأموال والجنود ، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك [ من ] أنصارك وأوليائك ، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه ، راجيا ثواب الله عليه .

ثم دعا المعتصم ، بعد ساعة ، حين اشتد الوجع ، وأحس بمجيء أمر الله فقال : يا أبا إسحاق ! عليه عهد الله وميثاقه ، وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتقومن بحق الله في عباده ، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته إذ أنا نقلتها من غيرك إليك . قال : اللهم نعم ! قال : هؤلاء بنو عمك من ولد أمير المؤمنين علي - صلوات الله عليه - فأحسن صحبتهم ، وتجاوز عن مسيئهم ، واقبل من محسنهم ، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلها ، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى ، اتقوا الله ربكم حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، اتقوا الله واعملوا له ، واتقوا الله في أموركم كلها ، أستودعكم الله ونفسي ، [ ص: 579 ] وأستغفر الله ما سلف مني إنه كان غفارا ، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي ، فعليه توكلت من عظيمها ، وإليه أنيب ، ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث