الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر مسير المأمون إلى العراق وقتل ذي الرياستين

وفي هذه السنة سار المأمون من مرو إلى العراق ، واستخلف على خراسان غسان بن عبادة .

[ ص: 500 ] وكان سبب مسيره أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتنة والقتال ، مذ قتل الأمين ، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار ، وأن أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء ، وأنهم يقولون : مسحور ، مجنون ، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة .

فقال له المأمون : لم يبايعوه بالخلافة ، وإنما صيروه أميرا يقوم بأمرهم ، على ما أخبره به الفضل . فأعلمه أن الفضل قد كذبه ، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وإبراهيم ، والناس ينقمون عليك مكانه ، ومكان أخيه الفضل ، ومكاني ، ومكان بيعتك لي من بعدك .

فقال : ومن يعلم هذا ؟ قال : يحيى بن معاذ ، وعبد العزيز بن عمران وغيرهما من وجوه العسكر . فأمر بإدخالهم ، فدخلوا ، فسألهم عما أخبره به علي بن موسى ، ولم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم .

فضمن لهم ذلك ، وكتب لهم خطه به ، فأخبروه بالبيعة لإبراهيم بن المهدي ، وأن أهل بغداذ قد سموه الخليفة السني ، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض ؛ لمكان علي بن موسى منه ، وأعلموه بما فيه الناس ، وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة ، وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه ، فقتله الفضل ، وإن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة من يده ، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه ، فأخرج من الأمر كله ، وجعل في زاوية من الأرض بالرقة ، لا يستعان به في شيء ، حتى ضعف أمره ، وشغب عليه جنده ، وأنه لو كان ببغداذ لضبط الملك ، وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها ، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداذ ، فإن أهلها لو رأوك لأطاعوك .

فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل ، فعلم الفضل بالحال ، فبغتهم حتى ضرب بعضهم ، وحبس بعضهم ، ونتف لحى بعضهم ، فقال علي بن موسى للمأمون في أمرهم ، فقال : أنا أدري . ثم ارتحل ، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل ، فقتلوه في الحمام ، وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان ، وكان الذين قتلوه أربعة نفر ، أحدهم غالب المسعودي الأسود ، وقسطنطين الرومي ، وفرج الديلمي ، وموفق الصقلبي ، وكان عمره [ ص: 501 ] ستين سنة ، وهربوا ، فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري ، فقالوا للمأمون : أنت أمرتنا بقتله . فأمر بهم فضربت رقابهم .

وقيل : إن المأمون لما سألهم ، فمنهم من قال : إن علي بن أبي سعيد ابن أخت الفضل بن سهل وضعهم عليه ، ومنهم من أنكر ذلك ، فقتلهم ، ثم أحضر عبد العزيز بن عمران ، وعليا ( وموسى ) ، وخلقا ، فسألهم ، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك ، فلم يقبل منهم ، وقتلهم ، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل ، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل ، وأنه قد صيره مكانه ، فوصله الخبر في رمضان .

ورحل المأمون إلى العراق ، فكان إبراهيم بن المهدي ، وعيسى ، وغيرهما بالمدائن ، وكان أبو البط وسعيد بالنيل يراوحون القتال ويغادونه ، وكان المطلب بن عبد الله بن مالك قد عاد من المدائن ، فاعتل بأنه مريض ، فأتى بغداذ وجعل يدعو في السر إلى المأمون ، على أن منصور بن المهدي ( خليفة المأمون ، ويخلعون إبراهيم ، فأجابه منصور بن المهدي ) ، وخزيمة بن خازم ، وغيرهما من القواد ، وكتب المطلب إلى علي بن هشام وحميد أن يتقدما ، فينزل حميد نهر صرصر ، وينزل علي النهروان .

فلما علم إبراهيم بن المهدي بذلك عاد عن المدائن نحو بغداذ ، فنزل زندورد منتصف صفر ، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة يدعوهم ، فاعتلوا عليه ، فلما رأى ذلك بعث عيسى إليهم ، فأما منصور وخزيمة فأعطوا بأيديهما ، وأما المطلب فمنعه مواليه وأصحابه ، فنادى منادي إبراهيم : من أراد النهب فليأت دار المطلب ، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره فنهبوها ، ونهبوا دور أهله ، ولم يظفروا به ، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر ، فلما بلغ حميدا وعلي بن هشام الخبر أخذ حميد المدائن ونزلها ، وقطع الجسر ، وأقاموا بها ، وندم إبراهيم حيث صنع بالمطلب ما صنع ، ثم لم يظفر به .

التالي السابق


الخدمات العلمية