الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

1261 - مسألة :

ومن كسر لآخر شيئا ، أو جرح له عبدا ، أو حيوانا ، أو خرق له ثوبا ، قوم كل ذلك صحيحا مما جنى عليه ، ثم قوم كما هو الساعة ، وكلف الجاني أن يعطي صاحب الشيء ما بين القيمتين ولا بد ، ولا يجوز أن يعطي الشيء المجني عليه للجاني لما ذكرنا آنفا وإنما عليه أن يعتدي عليه بمثل ما اعتدى فقط ، وسواء كانت الجناية صغيرة أو كبيرة لا يحل هذا .

وللحنفيين هاهنا اضطراب وتخليط كثير ، كقولهم : من غصب ثوبا فإنه يرد إلى صاحبه فإن وجد وقد قطعه الغاصب فصاحب الثوب مخير بين أخذه كما هو وما نقصه القطع وبين أن يعطيه للغاصب ويضمنه قيمة الثوب ، فإن لم يوجد إلا وقد خاطه قميصا : فهو للغاصب بلا تخيير ، وليس عليه إلا قيمة الثوب .

وكذلك قولهم في الحنطة تغصب فتطحن ، والدقيق يغصب فيعجن ، واللحم يغصب فيطبخ ، أو يشوى .

قال أبو محمد : ما في المجاهرة بكيد الدين أكثر من هذا ، ولا في تعليم الظلمة أكل أموال الناس أكثر من هذا ، فيقال لكل فاسق : إذا أردت أخذ قمح يتيم ، أو جارك ، وأكل غنمه ، واستحلال ثيابه ، وقد امتنع من أن يبيعك شيئا من ذلك فاغصبها ، واقطعها ثيابا على رغمه ، واذبح غنمه وأطبخها ، واغصبه حنطته واطحنها ، وكل كل ذلك حلالا طيبا ، وليس عليك إلا قيمة ما أخذت ، وهذا خلاف القرآن في نهيه تعالى أن نأكل أموالنا بالباطل ، وخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام } و { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } . [ ص: 440 ] وما يشك أحد من أهل الإسلام في أن كل ثوب قطع من شقة فإنه لصاحب الشقة ، وكل دقيق طحن من حنطة إنسان فهو لصاحب الحنطة ، وكل لحم شوي فهو لصاحب اللحم - وهم يقرون بهذا ثم لا يبالون بأن يقولوا : الغصب ، والظلم ، والتعدي يحل أموال المسلمين للغصاب .

واحتجوا في ذلك بأمر القصعة المكسورة التي ذكرنا قبل وهم أول مخالف لذلك الخبر فخالفوه فيما فيه ، واحتجوا له فيما ليس فيه منه شيء .

واحتجوا أيضا بخبر { المرأة التي دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فأخبرته أنها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فأرسلت إلى جارة لها : ابعثي إلي الشاة التي لزوجك فبعثت بها إليها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة أن تطعم الأسارى } قال هذا الجاهل المفتري : فهذا يدل على أن حق صاحب الشاة قد سقط عنها إذ شويت .

قال أبو محمد : وهذا الخبر لا يصح ، لو صح لكان أعظم حجة عليهم ، لأنه خلاف لقولهم ، إذ فيه : أنه عليه السلام لم يبق ذلك اللحم في ملك التي أخذتها بغير إذن ربها ، وهم يقولون : إنه للغاصب حلال - وهذا الخبر فيه : أنه لم يأخذ رأيها في ذلك - فصح أنه ليس لها ، فهو حجة عليهم .

قال علي : والمحفوظ عن الصحابة رضي الله عنهم خلاف هذا - : كما روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلوا بأهل ماء وفيهم أبو بكر الصديق ، فانطلق النعمان فجعل يقول لهم : يكون كذا وكذا - وهم يأتونه بالطعام واللبن ، ويرسل هو بذلك إلى أصحابه - فأخبر أبو بكر بذلك فقال : أراني آكل كهانة النعمان منذ اليوم ، ثم أدخل يده في حلقه فاستقاءه .

ومن طريق محمد بن إسحاق في مغازيه عن يزيد بن أبي حبيب عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنت في غزوة ذات السلاسل فذكر قسمته الجزور بين القوم وأنهم أعطوه منها ، فأتى به إلى أصحابه فطبخوه فأكلوه ، ثم سأله أبو بكر ، وعمر عنه ؟ فأخبرهما ، فقالا له : والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما .

ومن طريق مالك عن زيد بن أسلم قال : شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فسأل عنه فأخبر أنه حلب له من نعم الصدقة فأدخل عمر أصبعه فاستقاءه . [ ص: 441 ] ومن طريق سعيد بن منصور نا المعتمر بن سليمان التيمي عن أبيه أن أهل الكوفة قالوا له : قد شرب علي نبيذ الجر ؟ قال سليمان : فقلت لهم : هذا أبو إسحاق الهمداني يحدث أن علي بن أبي طالب أخبر أنه نبيذ جر تقيأه .

نا أحمد بن عمر بن أنس العذري نا عبيد الله بن محمد السقطي نا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة نا أحمد بن شويه قال : سمعت عبد الرزاق يقول : دخل معمر على أهله فإذا عندها فاكهة فأكل منها ، ثم سأل عنها فقالت له : أهدتها إلينا فلانة النائحة ، فقام معمر فتقيأ ما أكل .

قال أبو محمد : فهذا أبو بكر ، وعمر وعلي بحضرة الصحابة وعلمهم لا مخالف لهم منهم في ذلك لا يرون الطعام المأخوذ بغير حق ملكا لآخذه ، وإن أكله ، بل يرون عليه إخراجه ، وأن لا يبقيه في جسمه ما دام يقدر على ذلك ، وإن استهلكه ، فبأي شيء تعلق هؤلاء القوم في إباحة الحرام جهارا ؟ قال أبو محمد : وبهذا نقول ، فما دام المرء يقدر على أن يتقيأه ، ففرض عليه ذلك ، ولا يحل إمساك الحرام أصلا فإن عجز عن ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وهذا مما خالفوا فيه القرآن ، والسنن بآرائهم الفاسدة ، وتقليدا لبعض التابعين في خطأ أخطأه - وبالله تعالى التوفيق .

وقالوا أيضا : قسنا هذا على العبد يموت فتضمن قيمته .

قال علي : وهذا عليهم ، لا لهم ، لأن الميت لا يتملكه الغاصب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث