الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود

جزء التالي صفحة
السابق

855 17 - باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود

التالي السابق




قال ابن القيم رحمه الله: عقب حديث المسيء صلاته وغيره من الأحاديث الواردة في الباب -: فصل في سياق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان اتفاق [ ص: 225 ] الأحاديث فيها، وغلط من ظن أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سراق الصلاة والنقارون لها:

ففي "الصحيحين" عن البراء بن عازب قال: رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم، فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبا من السواء لفظ مسلم.

وفي "صحيح مسلم" أيضا: عن شعبة، عن الحكم قال غلب على الكوفة رجل قد سماه زمن ابن الأشعث، فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" . قال الحكم: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريبا من السواء .

وروى البخاري هذا الحديث وقال فيه: ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء . ولا شك أن القيام: قيام القراءة وقعود التشهد يزيدان في الطول على بقية الأركان. ولما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام ويستوفي بقية الأركان صارت صلاته قريبا من السواء. فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى.

[ ص: 226 ] والبراء تارة قرب ولم يحدد، فلم يذكر القيام والقعود، وتارة استثنى وحدد، فاحتاج إلى ذكر القيام والقعود.

وقد غلط بعضهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين، فإنه كان يخففهما فلم يكونا قريبا من بقية الأركان. فإنهما ركنان قصيران.

وهذا من سوء الفهم، فإن سياق الحديث يبطله، فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما، فكيف يذكرهما مع بقية الأركان.

ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها، ثم يستثنيهما منها؟ وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل: قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدا وعمرا ؟! وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث صحيحة صريحة، أحدها: هذا.

وقد استدل البراء بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركوعه وإذا رفع رأسه وسجوده وما بين السجدتين قريبا من السواء .

ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف هذين الركنين لأنكر البراء صلاة أبي عبيدة، ولم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتضمن تصويبه.

ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس قال: ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الفجر. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين [ ص: 227 ] السجدتين حتى نقول قد أوهم .

رواه مسلم بهذا اللفظ. ورواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وحميد، عن أنس قال ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر، ثم يسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم .

فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وإتمامها، وأن من إتمامها إطالة الاعتدالين جدا، كما أخبر به.

وقد أخبر أنه ما رأى أوجز صلاة منها ولا أتم، فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود وركني الاعتدال، فبهذا تصير الصلاة تامة موجزة، فيصدق قوله ما رأيت أوجز منها ولا أتم . ويطابق هذا حديث البراء المتقدم.

وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين زيادة على ما تفعله أكثر الأئمة ويعتادونه.

وروايات "الصحيحين" تدل على ذلك; ففي "الصحيحين" عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا. قال ثابت وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه في السجدة مكث، حتى يقول القائل قد نسي . وفي لفظ: وإذا رفع رأسه بين [ ص: 228 ] السجدتين .

وفي رواية للبخاري من حديث شعبة، عن ثابت كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي .

وهذا يبين أن إطالة ركني الاعتدال مما ضيع من عهد ثابت. ولهذا قال: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تفعلونه . وهذا والله أعلم مما أنكره أنس مما أحدث الناس في الصلاة حيث قال: ما أعلم شيئا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل: ولا الصلاة ؟ قال: أوليس قد أحدثتم فيها ما أحدثتم ؟ . فقول ثابت أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس، وقول أنس: إنكم قد أحدثتم فيها يبين ذلك أن تقصير هذين الركنين هو مما أحدث فيها.

ومما يدل على أن السنة إطالتهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل، فقرأ البقرة والنساء وآل عمران، وركع نحوا من قيامه، ورفع نحوا من ركوعه، وسجد نحوا من قيامه، وجلس نحوا من سجوده متفق عليه.

وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وما [ ص: 229 ] بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

وفي "صحيح مسلم" نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وزاد بعد قوله: وملء ما شئت من شيء بعد: اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ .

فهذه الأذكار والدعوات ونحوها - والله أعلم - من التي كان يقولها في حديث أنس: أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا: قد أوهم لأنه ليس محل سكوت، فجاء الذكر مفسرا في هذه الأحاديث.

وروى النسائي وأبو داود عن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز. قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات وإسناده ثقات.

[ ص: 230 ] وفي "صحيح مسلم" عن أبي قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري وهو مكثور عليه، فلما تفرق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه، أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما لك في ذلك من خير، فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى ، وفي رواية مما يطولها . وفي هذا ما يدل على أن أبا سعيد رأى أن صلاة الناس في زمانه أنقص مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها. ولهذا قال للسائل: ما لك في ذلك من خير .

وفي "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة . ومن المتيقن أنه صلى الله عليه وسلم لم تكن قراءته في الصلاة هذا بل ترتيلا، بتدبر وتأن.

وروى النسائي بإسناد صحيح عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف، فرقها في ركعتين .

وأصله في "الصحيح": أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بطولى الطوليين يريد الأعراف، كما جاء مفسرا في رواية النسائي.

[ ص: 231 ] وفي "الصحيحين" عن جبير بن مطعم: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور .

وفي "الصحيحين" عن ابن عباس: أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: والمرسلات عرفا ، فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب . وهذا يدل على أن هذا الفعل غير منسوخ؛ لأنه كان في آخر حياته صلى الله عليه وسلم.

وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال شكا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم، فقال: استعينوا بالركب قال ابن عجلان: هو أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيا. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابة إلى الاعتماد على ركبهم، وهذا لا يكون مع قصر السجود.

وفي "الصحيحين" أنه صلى الله عليه وسلم قال: إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن [ ص: 232 ] أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها مخافة أن أشق على أمه .

وأما ما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ: ق والقرآن المجيد ، وكانت صلاته بعد تخفيفا" فالمراد به - والله أعلم - أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفا، يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:

أحدهما: أن مسلما روى في "صحيحه" عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء، قال: وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ: ق والقرآن المجيد ونحوها. فجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بـ: "ق".

الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها. ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة، وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بـ: "المرسلات" في آخر الأمر، وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.

وأما قوله: ولا يصلي صلاة هؤلاء فيحتمل أمرين:

أحدهما: أنه لم يكن يحذف كحذفهم، بل يتم الصلاة.

والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.

[ ص: 233 ] وفي "مسند أحمد"، و"سنن النسائي" عن عبد الله بن عمر قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات . وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته، ولهذا صلى على المنبر وقال إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي . وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: صلوا كما رأيتموني أصلي .

وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، وطويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف؛ لأنه ليس له عادة في العرف، كالقبض والحزر والإحياء والاصطياد، حتى يرجع فيه إليه، بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع إليه في أصلها، ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافا متباينا لا ينضبط، ولكان لكل أهل عصر ومصر -بل لأهل الدرب والسكة، وكل محل لكل طائفة- غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة، يخالف عرف غيرهم، وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة، وجعل السنة تابعة لأهواء [ ص: 234 ] الناس، فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم، فالذي كان يفعله هو التخفيف، إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة، ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة، إلا أن يكون منسوخا.

وفي "صحيح مسلم" عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرا .

فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة، فإن كان عاما فظاهر، وإن كان خاصا بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيما، وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة، وتفعل في شدة الحر، ويتقدمها خطبتان، ومع هذا فقد أمر بإطالتها، فما الظن بالفجر ونحو التي تفعل وقت البرد والراحة مع قلة الجمع؟! وقد روى النسائي في "سننه": أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر بالروم . وفي "سنن أبي داود" عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى ، والعصر كذلك، والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها" .

[ ص: 235 ] وقد روى الإمام أحمد والنسائي بإسناد على شرط مسلم عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل .

وفي "الصحيحين" عن أبي برزة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين - أو إحداهما - ما بين الستين إلى المائة لفظ البخاري، وهذا يدل على أمرين: شدة التغليس بها، وإطالتها.

فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارض بما يدل على نقضه، وأن السنة هي التخفيف، فروى أبو داود في "سننه" من حديث ابن وهب أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أسامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن [ ص: 236 ] عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر، أو قريبا منها، فلما سلم قال [أبي]: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم] كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار. ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم . وسهل بن أبي أمامة وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم.

وفي "الصحيحين" عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها . وفي "الصحيحين" أيضا عنه قال ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . زاد البخاري: وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه . وفي سنن أبي داود عن رجل من جهينة: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقرأ في الصبح إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم عمدا فعل ذلك . وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في الظهر بـ: والليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذلك .

[ ص: 237 ] وفي "سنن ابن ماجه" عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب: قل يا أيها الكافرون و: قل هو الله أحد .

وفي "سنن ابن ماجه" عن عمرو بن حريث قال: كأني أسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الغداة: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس .

وفي "سنن أبي داود" عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر بـ: والسماء ذات البروج ، والسماء والطارق ، وشبههما .

وفي "صحيح مسلم" عنه أيضا قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بـ: والليل إذا يغشى ، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك .

وفي "الصحيحين" عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بـ: والتين والزيتون ، [ ص: 238 ] في السفر .

وفي بعض " السنن" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين .

وفي "الصحيحين" عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: أفتان أنت يا معاذ ؟ هلا صليت بـ: سبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى .

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء . ورواه ابن ماجه من حديث عثمان بن أبي العاص.

وفي "صحيح مسلم" عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة .

فالجواب: أنه لا تعارض بحمد الله بين هذه الأحاديث، بل هي أحاديث [ ص: 239 ] يصدق بعضها بعضا، وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم صلاته هو مقرون بوصفه إياها بالتمام كما تقدم، وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال حتى كانوا يقولون: "قد أوهم"، ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات.

والتخفيف الذي أشار إليه أنس، هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود، كما جاء مصرحا به فيما رواه النسائي عن قتيبة، عن العطاف بن خالد، عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتم؟ قلنا: نعم، قال: يا جارية، هلمي لنا وضوءا. ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا، قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي وثقه ابن معين، وقال أحمد: ثقة صحيح الحديث.

وقد جاء هذا صريحا في حديث عمران بن حصين، لما صلى خلف علي بالبصرة قال: لقد أذكرني صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة، كان يخفف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود . وقد تقدم قول أنس: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة ، وحديث البراء بن عازب: أن قيامه صلى الله عليه وسلم وركوعه وسجوده كان قريبا من السواء .

[ ص: 240 ] فهذه الأحاديث كلها تدل على معنى واحد، وهو أنه كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام.

وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالبا، وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين.

ولهذا أنكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين، وقال كان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه . وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة. وأنس فقد وصف خفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين، وأحاديثه لا تتناقض، والتخفيف أمر نسبي إضافي، فعشر تسبيحات وعشرون آية أخف من مائة تسبيحة ومائتي آية، فأي معارضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟!.

وأما تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم عند بكاء الصبي، فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته، بل قد قال في الحديث نفسه: إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز .

فهذا تخفيف لعارض، وهو من السنة، كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف، وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض، كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بالتين والزيتون ، وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين، فإنه كان في السفر، ولذلك رفع الله تعالى الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.

[ ص: 241 ] والقصر قصران: قصر الأركان، وقصر العدد; فإن اجتمع السفر والخوف، اجتمع القصران، وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد، وإن انفرد الخوف وحده، شرع قصر الأركان.

وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر، فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يشرع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدهما بقي مطلق القصر، إما في العدد وإما في القدر.

ولو قدر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر، كان في ذلك بيان الجواز، وأن الاقتصار على ذلك للعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب. فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه، مع أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أوقاته فحاشى وكلا، ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف، والذين رووا التخفيف رووه أيضا، فلا تضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعص، بل يستعمل كل منها في موضعه.

وتخفيفه إما لبيان الجواز، وتطويله لبيان الأفضل، وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف، فيكون التخفيف في موضعه أفضل، والتطويل في موضعه أفضل، ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل، وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته، وهو اللائق بمن اقتدى به، وائتم به صلى الله عليه وسلم.

وأما حديث معاذ فهو الذي فتن النقارين وسراق الصلاة، لعدم علمهم بالقصة وسياقها; فإن معاذا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم سورة البقرة.

هكذا جاء في [ ص: 242 ] "الصحيحين" من حديث حابر: أنه استفتح بهم بسورة البقرة، فانفرد بعض القوم وصلى وحده، فقيل: نافق فلان ؟ فقال: والله ما نافقت، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ: أفتان أنت معاذ؟ هلا صليت بـ: سبح اسم ربك الأعلى ، والشمس وضحاها ، والليل إذا يغشى .

وهكذا نقول: إنه يستحب أن تصلى العشاء بهذه السور وأمثالها. فأي متعلق في هذا للنقارين وسراق الصلاة ؟!

ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة، وبعد ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد، ثم طول سورة البقرة، فهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهو موضع الإنكار، وعليه يحمل الحديث الآخر: يا أيها الناس، إن منكم منفرين .

ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ممن يصلي بقدر صلاته، وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته، فهذا الذي ينفر.

وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر، كصلاة المنافقين، وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة، بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها، فهؤلاء لا عبرة بنفورهم، فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم، ويسعى في خدمته أعظم السعي، فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به، فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءا يسيرا من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة [ ص: 243 ] إلى وقوفه في خدمة المخلوق، استثقل ذلك الوقوف، واستطال وشكا منه، وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى، ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه، والله المستعان.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث