الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة

جزء التالي صفحة
السابق

ذكر قطع يد ابن مقلة ولسانه

في هذه السنة في منتصف شوال قطعت يد الوزير أبي علي بن مقلة .

وكان سبب قطعها أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام ، استوزر الخليفة الراضي بالله أبا علي بن مقلة ، وليس له من الأمر شيء ، إنما الأمر جميعه إلى ابن رائق ، وكان ابن رائق قبض أموال ابن مقلة وأملاكه ، وأملاك ابنه ، فخاطبه فلم يردها ، فاستمال أصحابه ، وسألهم مخاطبته في ردها ، فوعدوه ، فلم يقضوا حاجته ، فلما رأى ذلك ، سعى بابن رائق ، فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق ، وكتب إلى وشمكير بمثل ذلك وهو بالري ، وكتب إلى الراضي يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ، ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار ، وأشار عليه باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق ، فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله ، فعجل ابن مقلة ، وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضي ، ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداذ .

وطلب ابن مقلة من الراضي أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتفقا عليه ، فأذن له في ذلك ، فحضر متنكرا آخر ليلة من رمضان ، وقال : إن القمر تحت الشعاع ، وهو يصلح للأسرار ، فكان عقوبته حين نظر إلى غير الله أن ذاع سره وشهر أمره ، فلما حصل بدار الخليفة لم يوصله الراضي إليه ، واعتقله في حجرة ، فلما كان الغد ، أنفذ إلى ابن رائق يعرفه الحال ، ويعرض عليه خط ابن مقلة ، فشكر الراضي ، وما زالت الرسل تتردد بينهما في معنى ابن مقلة إلى منتصف شوال ، فأخرج ابن مقلة من محبسه ، وقطعت يده ثم عولج فبرأ ، فعاد يكاتب الراضي ، ويخطب الوزارة ، ويذكر [ أن ] قطع يده لم يمنعه من عمله ، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب .

فلما قرب بجكم من بغداذ ، سمع الخدم يتحدثون بذلك ، فقال : إن وصل بجكم [ ص: 72 ] فهو يستخلصني ، وأكافئ ابن رائق ، وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده ، فوصل خبره إلى الراضي وإلى ابن رائق ، فأمرا بقطع لسانه ، ثم نقل إلى محبس ضيق ، ثم لحقه ذرب في الحبس ، ولم يكن عنده من يخدمه ، فآل الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده اليسرى ، ويمسك الحبل بفيه ، ولحقه شقاء شديد إلى أن مات ، ودفن بدار الخليفة ، ثم إن أهله سألوا فيه ، فنبش وسلم إليهم ، فدفنوه في داره ، ثم نبش فنقل إلى دار أخرى .

ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات ، ووزر لثلاثة خلفاء ، وسافر ثلاث سفرات : اثنتين منفيا إلى شيراز ، وواحدة في وزارته إلى الموصل ، ودفن بعد موته ثلاث مرات ، وخص به من خدمه ثلاثة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث