الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر مسير ابن العميد إلى حسنويه

وفي هذه السنة جهز ركن الدولة وزيره أبا الفضل بن العميد في جيش كثيف ، وسيرهم إلى بلد حسنويه .

وكان سبب ذلك أن حسنويه بن الحسن الكردي كان قد قوي واستفحل أمره [ ص: 292 ] لاشتغال ركن الدولة بما هو أهم منه ، ولأنه كان يعين الديلم على جيوش خراسان إذا قصدتهم ، فكان ركن الدولة يراعيه لذلك ويغضي على ما يبدو منه ، وكان يتعرض إلى القوافل وغيرها بخفارة ، فبلغ ذلك ركن الدولة ، فسكت عنه .

فلما كان الآن وقع بينه وبين سهلان بن مسافر خلاف أدى إلى أن قصده سهلان وحاربه ، وهزمه حسنويه ، فانحاز هو وأصحابه إلى مكان اجتمعوا فيه ، فقصدهم حسنويه وحصرهم فيه ، ثم إنه جمع من الشوك والنبات وغيره شيئا كثيرا ، وفرقه في نواحي أصحاب سهلان وألقى فيه النار ، وكان الزمان صيفا ، فاشتد عليهم الأمر حتى كادوا يهلكون ، فلما عاينوا الهلاك طلبوا الأمان فأمنهم فأخذهم عن آخرهم .

وبلغ ذلك ركن الدولة فلم يتحمل له ، فحينئذ أمر ابن العميد بالمسير إليه ، فتجهز وسار في المحرم ومعه ولده أبو الفتح ، وكان شابا مرحا ، قد أبطره الشباب والأمر والنهي ، وكان يظهر منه ما يغضب بسببه والده ، وازدادت علته ، وكان به نقرس وغيره من الأمراض . فلما وصل إلى همذان توفي بها ، وقام ولده مقامه ، فصالح حسنويه على مال أخذه منه ، وعاد إلى الري إلى خدمة ركن الدولة .

وكان والده يقول عند موته : ما قتلني إلا ولدي ، وما أخاف على بيت العميد أن يخرب ويهلكوا إلا منه . فكان على ما ظن .

وكان أبو الفضل بن العميد بن محاسن الدنيا ، قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من حسن التدبير ، وسياسة الملك ، والكتابة التي أتى فيها بكل بديع .

وكان عالما في عدة فنون منها الأدب ، فإنه كان من العلماء به ، ( ومنها حفظ أشعار العرب ، فإنه حفظ منها ما لم يحفظ غيره مثله ) ، ومنها علوم الأوائل فإنه كان ماهرا فيها مع سلامة اعتقاد ، إلى غير ذلك من الفضائل ، ومع حسن خلق ولين عشرة مع أصحابه وجلسائه ، وشجاعة تامة ، ومعرفة بأمور الحرب والمحاصرات ، وبه تخرج عضد الدولة ، ومنه تعلم سياسة الملك ، ومحبة العلم والعلماء ، وكان عمر ابن العميد قد زاد [ ص: 293 ] على ستين سنة يسيرا ، وكانت وزارته أربعا وعشرين سنة .

التالي السابق


الخدمات العلمية