الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 461 ] ولا تقبل في الرضاع شهادة النساء منفردات وإنما تثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ) وقال مالك رحمه الله : تثبت بشهادة امرأة واحدة إذا كانت موصوفة بالعدالة ; لأن الحرمة حق من حقوق الشرع فتثبت بخبر الواحد كمن اشترى لحما فأخبره واحد أنه ذبيحة المجوسي . ولنا أن ثبوت الحرمة لا يقبل الفصل عن زوال الملك في باب النكاح [ ص: 462 ] وإبطال الملك لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، بخلاف اللحم ; لأن حرمة التناول تنفك عن زوال الملك فاعتبر أمرا دينيا ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


( قوله ولا يقبل في الرضاع شهادة النساء منفردات ) أي عن الرجال ، وإنما يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، وقال مالك : يثبت بشهادة امرأة واحدة إن كانت موصوفة بالعدالة ، ونقل عن أحمد وإسحاق والشافعي بأربع نسوة . والذي في كتبهم إنما يثبت بشهادة امرأتين ، وكذا عند مالك بناء على أنه مما لا يطلع عليه الرجال ; لأنه لا يحل النظر إلى ثدي الأجنبية .

والوجه المذكور في الكتاب للاكتفاء بالواحدة وهو أن الحرمة من حقوق الشرع فهي أمر ديني يثبت بخبر الواحد ، كمن اشترى لحما فأخبره واحد أنه ذبيحة مجوسي فإنه تثبت الحرمة عليه بإخباره ، ثم يثبت زوال الملك في ضمنه ، كم من شيء يثبت ضمنا بطريق لا يثبت بمثلها قصدا ، ولحديث عقبة بن الحارث في الصحيحين { أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب ، فجاءت أمة سوداء فقالت : قد أرضعتكما ، قال : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فأعرض عني فتنحيت فذكرت ذلك له ، قال : وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما } وعقبة هذا يكنى أبا سروعة بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو والعين المهملة ، وبهذا الحديث استدل من قال تقبل الواحدة المرضعة واعتبار ظاهره مطلقا يوجب جواز قبول الأمة .

وروي مطولا في الترمذي ، وفيه فجاءت امرأة سوداء وفيه قول عقبة { فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : تزوجت فلانة بنت فلان فجاءت امرأة سوداء فقالت أرضعتكما وهي كاذبة ، فأعرض عني ، قال : فأتيته من قبل وجهه فقلت إنها كاذبة ، قال : وكيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك } ولنا أن ثبوت الحرمة لا يقبل الفصل [ ص: 462 ] عن زوال الملك في باب النكاح ; لأنها مؤبدة بخلاف الحرمة بالحيض ونحوه والأملاك لا تزال إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، بخلاف حرمة اللحم حيث ينفك عن زوال الملك كالخمر مملوكيته محرمة وجلد الميتة قبل الدباغ يحرم الانتفاع به وهو مملوك ، وإذا كانت الحرمة لا تستلزم زوال الملك فالشهادة قائمة على مجرد الحرمة حقا لله تعالى فيقبل فيها خبر الواحد ، أما الحديث فكان للتورع ، ألا يرى أنه أعرض عنه في المرة الأولى وقيل في الثانية أيضا ، وإنما قال له ذلك في الثالثة ، ولو كان حكم ذلك الإخبار وجوب التفريق لأجابه به من أول الأمر ، إذا الإعراض قد يترتب عليه ترك السائل المسألة بعد ذلك ففيه تقرير على المحرم ، فعلم أنه قال له ذلك لظهور اطمئنان نفسه بخبرها لا من باب الحكم ، وكونها كاذبة حمقاء على ما قيل لا ينفي اطمئنان النفس بخبرها ، بل قد يكون معه ; لأن بعض البلاهة يقارنها بحسب الغالب عدم الخبث الذي عنه تعمد الكذب ، والكلام في هذا القدر لا في الجنون .

وقد قلنا : إنه إذا وقع في القلب صدقها يستحب التنزه ولو بعد النكاح ، وكذا إذا شهد به رجل واحد وقولهم لا يطلع عليه أحد من الرجال . قلنا : لا نسلم فإن المحارم من الرجال يطلعون عليه ، وأيضا الرضاعة لا تتوقف على إلقام الثدي لجواز حصولها بالوجور والسعوط . وروي عن عمر رضي الله عنه مثل قولنا . وفي المحيط : لو شهدت امرأة واحدة قبل العقد ، قيل يعتبر في رواية ولا يعتبر في رواية .

[ فروع ]

قال لامرأته هذه أمي من الرضاعة أو أختي أو بنتي من الرضاع ثم رجع عن ذلك بأن قال أخطأت أو نسيت ، إن كان بعد أن ثبت على الأول بأن قال بعده هو حق أو كما قلت فرق بينهما ولا ينفعه جحوده بعد ذلك ، وإن قال قبل أن يصدر منه الثبات عليه لم يفرق بينهما خلافا للشافعي والنكاح باق ; لأن مثله إنما يوجب الفرقة بشرط الثبات ، وتفسير الثبات ما ذكرنا ، ومثل هذا في الإقرار بالنسب ، وذلك ; لأن ثبوت النسب والرضاع مما يخفى عن الإنسان فالتناقض فيه مطلقا لا يمنع ، بخلاف ما إذا ثبت بعد التروي فيعذر قبله ولا يعذر بعده ، وهذا في النسب فيمن ليس لها نسب معروف ، ولو أقرت المرأة بذلك وأنكر هو ثم قالت أخطأت فالنكاح باق بالإجماع ، وعند الشافعي يحلف الزوج على العلم في قول وعلى البتات في قول ، ولو تزوجها قبل أن تكذب نفسها جاز ولا تصدق المرأة على قولها . بخلاف ما لو أقر الرجل قبل التزوج وثبت على ذلك لا يحل له تزوجها . قال في الفتاوى الصغرى : هذا دليل على أن المرأة إذا أقرت بالطلقات الثلاث من رجل حل لها أن تزوج نفسها منه انتهى . وكان وجهه أن الطلاق مما يستقل به الزوج في غيبتها وحضورها فيتحقق فيه الخفاء فصح رجوعها عن الإقرار به قبل التروي ، والله أعلم .




الخدمات العلمية