الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا زوج الأب بنته الصغيرة ونقص من مهرها أو ابنه الصغير وزاد في مهر امرأته جاز ذلك عليهما ، ولا يجوز ذلك لغير الأب والجد ، وهذا عند أبي حنيفة ، وقالا : لا يجوز الحط والزيادة إلا بما يتغابن الناس فيه ) ومعنى هذا الكلام أنه لا يجوز العقد عندهما ; لأن الولاية مقيدة بشرط النظر فعند فواته يبطل العقد ، وهذا لأن الحط عن مهر المثل ليس من النظر في شيء كما في البيع ، [ ص: 304 ] ولهذا لا يملك ذلك غيرهما . ولأبي حنيفة أن الحكم يدار على دليل النظر وهو قرب القرابة ، وفي النكاح مقاصد تربو على المهر . أما المالية فهي المقصود في التصرف المالي والدليل عدمناه في حق غيرهما .

التالي السابق


( قوله وإذا زوج الأب ابنته الصغيرة ونقص من مهرها أو ابنه الصغير وزاد في مهر امرأته جاز ذلك عليهما ) ولزم عند أبي حنيفة سواء كان بغبن فاحش أو قليل وثبت المال كله في ذمة الصغيرة في الثانية لا في ذمة الأب سواء كان الأب موسرا أو معسرا فيقضيه من مال الصغير ( وقالا : لا تجوز الزيادة والنقص إلا بما يتغابن فيه الناس ) وعلى هذا الخلاف تزويج الأب ابنته من غير كفء ، ويجب أن يكون معنى هذا عدم الكفاءة في غير الديانة . أما فيها فلا ، لما قالوا : لو كان الأب معروفا بسوء الاختيار مجانة وفسقا كان العقد باطلا على قول أبي حنيفة على الصحيح . ومن زوج بنته الصغيرة القابلة للتخلق بالخير والشر ممن يعلم أنه شرير فاسق ظهر سوء اختياره ، ولأن ترك النظر هنا مقطوع به فلا يعارضه ظهور إرادة مصلحة تفوق ذلك نظرا إلى شفقة الأبوة .

وما في النوازل زوج ابنته الصغيرة ممن ينكر أنه يشرب المسكر فإذا هو مدمن له وقالت : لا أرضى بالنكاح : يعني بعدما كبرت إن لم يكن يعرفه الأب بشربه وكان غلبة أهل بيته صالحين فالنكاح باطل ; لأنه إنما زوج على ظن أنه كفء يفيد خلافه إذ يقتضي أنه لو عرفه الأب أنه يشربه فالنكاح نافذ ، وهو ينافي ما قرر من أن الأب إذا عرف بسوء الاختيار لا ينفذ تزويجه من غير الكفء . والجواب [ ص: 304 ] أنه لا تلازم بين ثبوت سوء الاختيار وتيقنه وبين كونه معروفا به فلا يلزم بطلانه عند تحقق سوء الاختيار مع أنه لم يتحقق للناس كون الأب العاقد معروفا بمثله ( قوله ومعنى هذا الكلام أنه لا يجوز العقد عندهما ) أي قولهما لا يجوز هل معناه نفي صحة العقد أو نفي صحة التسمية والعقد صحيح فيزاد إلى مهر المثل ، قيل بالأول وقيل بالثاني ، واختار المصنف الأول ; لأن الولاية مقيدة بشرط النظر فعند فواته ظاهرا بإيجاب المال عوض نفسها ناقصا أو إبطاله بدون عوض لا تثبت الولاية فلا يصح العقد كالمأمور بالعقد بشرط لا يصح عقده إذا لم يجر على شرطه ; ولذا لا يملك البيع والشراء بغبن فاحش في مالهما ، فإيجاب المال عوض نفسها ناقصا أولى بعدم النفاذ ، وإذا كان بحيث لو زوج أمتها بغبن فاحش لا يجوز فتزويجها كذلك أولى بعدم الجواز ، ولأبي حنيفة أن النظر وعدمه في هذا العقد ليسا من جهة كثرة المال وقلته بل باعتبار أمر باطن ، فالضرر كل الضرر بسوء العشرة وإدخال كل منهما المكروه على الآخر ، والنظر كل النظر في ضده في هذا العقد ، وأمر المال سهل غير مقصود فيه بل المقصود فيه ما قلنا ، فإذا كان باطنا يعتبر دليله فيعلق الحكم عليه .

ودليل النظر قائم هنا وهو قرب القرابة الداعية إلى وفور الشفقة مع كمال الرأي ظاهرا ، بخلاف غير الأب والجد من العصبات والأم لقصور الشفقة في العصبات ونقصان الرأي في الأم ، وهذا معنى قوله والدليل عدمناه في حق غيرهما فلا يصح عقدهم لذلك ، وعلى هذا انبنى الفرع المعروف : لو زوج العم الصغيرة حرة الجد من معتق الجد فكبرت وأجازت لا يصح ; لأنه لم يكن عقدا موقوفا [ ص: 305 ] إذ لا مجيز له فإن العم ونحوه لا يصح منهم التزويج بغير الكفء ، وكذا لو كان الأب معروفا بسوء الاختيار أو المجانة والفسق كان العقد باطلا على قول أبي حنيفة على ما ذكرناه هو الصحيح .

أما المال فهو المقصود في التصرف المالي لا في أمر آخر باطن ليحال النظر عليه عند ظهور التقصير في المال ، فلذا لا يجوز تزويجه أمتهما بغبن فاحش ; لأنه إضاعة مالهما ; لأن المهر ملكهما ولا مقصود آخر باطن يصرف النظر إليه فلا يعول عليه ، ويدل على ذلك تزويج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة من علي بأربعمائة درهم ، ولا شك في أنه دون مهر مثلها ; لأنها أشرف النساء فيلزم أن الأمهر أكثر منه بل إلا وهو أقل منه أو أنها دون مهر مثلها والأول منتف فلزم الثاني ، وهذا موقوف على ثبوت أن تزويجه صلى الله عليه وسلم إياها كان قبل بلوغها وإلا لا يفيد .

وقد يقال : إذا كان المدار عنده دليل النظر وهو القرابة الخاصة : أعني قرابة الأب والجد فلا يعتبر كونه معروفا بسوء الاختيار ; لأن المظنة يجوز التعليل بها مع العلم بانتفاء حكمتها وهذا كذلك . والجواب أن المظنة ما يغلب معها الحكمة إن لم تلزم فالمعروف بذلك حينئذ ليس مظنة .

والحاصل إما تخصيص العلة أو القوم بأن العلة مجموع قرابة الأب غير المعروف بسوء الاختبار على الاختلاف في جواز تخصيص العلة وعدمه .




الخدمات العلمية