الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فهو إذن ) لقوله صلى الله عليه وسلم { البكر تستأمر في نفسها ، فإن سكتت فقد رضيت } ولأن جنبة الرضا فيه راجحة ، لأنها تستحيي عن إظهار الرغبة لا عن الرد ، والضحك أدل على الرضا من السكوت ، بخلاف ما إذا بكت لأنه دليل السخط والكراهة . وقيل إذا [ ص: 265 - 266 ] ضحكت كالمستهزئة بما سمعت لا يكون رضا ، وإذا بكت بلا صوت لم يكن ردا .

التالي السابق


( قوله وإذا استأذنها فسكتت إلخ ) ظاهر حكما ودليلا ، والمراد بالسكوت الاختياري ، فلو أخذها سعال أو عطاس أو أخذ فمها فخلصت فردت ارتد ، ولا فرق بين العلم والجهل .

في التجنيس : حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم أن السكوت رضا جاز ، ولو تبسمت يكون إذنا في الصحيح ، وما حكاه بقوله وقيل إذا ضحكت كالمستهزئة لا يكون رضا ، وضحك الاستهزاء لا يخفى على من يحضره ، وإذا بكت بلا صوت لا يكون ردا اختير للفتوى . وعن أبي يوسف في ا البكاء أنه رضا ; لأنه لشدة الحياء . وعن محمد رد ; لأن وضعه لإظهار الكراهة . والمعول عليه اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضحك ، فإن تعارضت أو أشكل احتيط ، وعن هذا ما اعتبر بعضهم من أن دموعها إن كانت حارة فهو رد أو باردة فهو رضا ، لكنه اعتبار قليل الجدوى أو عديمه ، إذ الإحساس بكيفيتي الدمع لا يتهيأ إلا لخد الباكي ، ولو ذهب إنسان يحسه لا يدرك حقيقة المقصود وليس بمعتاد ولا يطمئن به القلب ، إلا أنه كذا ذكر .

وذكر شيخ الإسلام وغيره مسائل اعتبرت السكوت فيها رضا منها هذه ، وضممت إليها ما تيسر وقد جمعتها في هذه الأبيات تسهيلا لحفظها :


سكوت بكر في النكاح وفي قبض الأبين صداقها إذن قبض المملك والمبيع ولو
في فاسد وإذا اشترى قن وكذا الصبي وذو الشراء إذا
كان الخيار له كذا سنوا [ ص: 265 ] مولى الأسير يباع وهو يرى
وأبو الوليد إذا انقضى الزمن وعقيب شق الزق أو حلف
ينفى به الإسكان إذ ضنوا وعقيب قول مواضع نمضي
أو وضع مال ذا له يرنو وبلوغ جارية وزوجها
غير الأبين بذاك قد منوا وكذا الشفيع وذو الجهالة في
نسب شراه من به ضغن وإذا يقول لغيره فسكت
هذا متاعي بعه يا معن وإذا رأى ملكا يباع له
وتصرفوا زمنا فلم يدنو



قولي سكوت بكر يشمل ما قبل النكاح وما بعده : أعني إذا زوجها فبلغها فسكتت ، وقبض المملك يدخل فيه الموهوب والمتصدق به إذا قبض بمرأى من المملك فسكت كان قبضا معتبرا يثبت به الملك ، وكذا المبيع ولو في بيع فاسد إذا قبضه المشتري بمرأى من البائع فسكت صح فيسقط حق حبس البائع إياه إلى استيفاء الثمن فليس له أن يسترده بل يطالب بالثمن . وفي كتاب الإكراه لا يكون إذنا صحيحا في الفاسد .

وإذا اشترى قن : يعني إذا اشترى العبد شيئا بحضرة سيده فسكت كان إذنا . قال الحلواني : لكن نفس ما وقعت الرؤية فيه لا يجوز بل ما بعده ، والصبي إذا اشترى أو باع بمرأى من وليه فسكت كالعبد ، وذو الشراء : أي المشتري عبدا إذا كان له الخيار فرأى العبد يبيع أو يشتري فسكت سقط خياره ; لأن الإذن فرع نفاذ البيع .

ومولى الأسير : أي العبد الذي أسر إذا ظهر على دار الحرب فوقع في سهم مسلم كان مولاه أحق به بالقيمة ، فلو باعه من آخر ومولاه يراه فسكت بطل حقه وليس له أن يأخذه .

وأبو الوليد إذا سكت ولم ينفه حتى مضت أيام التهنئة على الخلاف في مقدار زمنه أهو الأسبوع أو مدة النفاس لزمه فلا ينتفي بعد ، والسكوت عقيب شق رجل زقه حتى سال ما فيه لا يضمن الشاق ما سال وعقيب الحلف على أن لا أسكن فلانا وفلان ساكن فيحنث ، فإن قال عقبه اخرج فأبى لم يحنث .

وعقيب قول مواضع أي رجل واضع غيره على أن يظهر بيع تلجئة ثم قال بدا لي أن أجعله بيعا نافذا بمسمع من الآخر فسكت ثم عقد كان نافذا .

وعقيب وضع رجل متاعه بحضرته وهو ينظر إليه يكون قبولا للوديعة فيلزمه حفظها ويضمن بتركه .

والشفيع إذا بلغه بيع ما يشفع فيه فسكت كان تسليما ، وذو الجهالة : أي مجهول النسب إذا بيع فسكت فهو إقرار بالرق فلا يقبل دعواه الحرية إلا ببينة ، زاد الطحاوي في اعتبار سكوته رضا . وقيل له قم مع سيدك فقام . وإذا يقول رجل لغيره بع متاعي فسكت ثم باعه بعد يكون سكوته قبولا للوكالة فلا يكون بيع فضولي ; وليس من فروع هذه ما في الجوامع : لو استأمر بنت عمه لنفسه وهي بكر بالغة فسكتت فزوجها من نفسه جاز ; لأنه صار وكيلا بسكوتها . وإذا رأى ملكا له منقولا أو عقارا يباع فسكت حتى قبضه المشتري وتصرف فيه زمانا سقط دعواه إياه ذكره في منية الفقهاء وغيرها ، بخلاف ما لو كان سكوته عند مجرد البيع فإنه لا يكون رضا اعترافا بأن لا حق فيه عندنا خلافا لابن أبي ليلى . والتي زدتها مسألة الوديعة ، والاستقراء يفيد عدم [ ص: 266 ] الحصر وهذه المشهورة المحصورة




الخدمات العلمية