الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ذكر ابتداء دولة بني مروان

لما قتل باذ سار ابن أخته أبو علي بن مروان في طائفة من الجيش إلى حصن كيفا ، وهو على دجلة ، وهو من أحصن المعاقل ، وكان به امرأة باذ وأهله ، فلما بلغ الحصن قال لزوجة خاله : قد أنفذني خالي إليك في مهم فظنته حقا ، فلما صعد إليها أعلمها بهلاكه ، وأطمعها في التزوج بها ، فوافقته على ملك الحصن وغيره ، ونزل وقصد حصنا حصنا ، حتى ملك ما كان لخاله ، وسار إلى ميافارقين وسار إليه أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا حمدان وطمعا فيه ، ومعهما رأس باذ ، فوجدا أبا علي قد أحكم أمره ، فتصافوا واقتتلوا ، وظفر أبو علي وأسر أبا عبد الله بن حمدان ، فأكرمه وأحسن إليه ، ثم أطلقه فسار إلى أخيه أبي طاهر ، وهو بآمد يحصرها ، فأشار عليه بمصالحة ابن مروان ، فلم يفعل ، واضطر أبو عبد الله إلى موافقته ، وسارا إلى ابن مروان فواقعاه ، فهزمهما ، وأسر أبا عبد الله أيضا فأساء إليه وضيق عليه ، إلى أن كاتبه صاحب مصر وشفع فيه فأطلقه ، ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب ، وأقام بتلك الديار إلى أن توفي .

وأما أبو طاهر فإنه لما وصل إلى نصيبين قصده أبو الذواد فأسره وعليا ابنه ، والمزعفر أمير بني نمير ، وقتلهم صبرا .

[ ص: 436 ] وأقام ابن مروان بديار بكر وضبطها ، وأحسن إلى أهلها ، وألان جانبه لهم ، فطمع فيه أهل ميافارقين ، فاستطالوا على أصحابه ، فأمسك عنهم إلى يوم العيد ، وقد خرجوا إلى المصلى ، فلما تكاملوا في الصحراء وافى إلى البلد ، وأخذ أبا الصقر شيخ البلد فألقاه من على السور ، وقبض على من كان معه ، وأخذ الأكراد ثياب الناس خارج البلد ، وأغلق أبواب البلد ، وأمر أهله أن ينصرفوا حيث شاءوا ، ولم يمكنهم من الدخول فذهبوا كل مذهب .

وكان قد تزوج ست الناس بنت سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان ، فأتته من حلب ، فعزم على زفافها بآمد ، فخاف شيخ البلد ، واسمه عبد البر ، أن يفعل به مثل فعله بأهل ميافارقين ، فأحضر ثقاته وحلفهم على كتمان سره ، وقال لهم : قد صح عزم الأمير على أن يفعل بكم مثل فعله بأهل ميافارقين ، وهو يدخل من باب الماء ويخرج من باب الجهاد ، فقفوا له في الدركاه ، وانثروا عليه هذه الدراهم ، ثم اعتمدوا بها وجهه ، فإنه سيغطيه بكمه ، فاضربوه بالسكاكين في مقتله ففعلوا .

وجرت الحال كما وصف ، وتولى قتله إنسان يقال [ له ] ابن دمنة كان فيه إقدام وجرأة ، فاختبط الناس وماجوا ، فرمى برأسه إليهم ، فأسرعوا السير إلى ميافارقين .

وحدث جماعة من الأكراد نفوسهم بملك البلد ، فاستراب بهم مستحفظ ميافارقين لإسراعهم ، وقال : إن كان الأمير حيا فادخلوا معه ، وإن كان قتل فأخوه مستحق لموضعه . فما كان بأسرع من أن وصل ممهد الدولة أبو منصور بن مروان أخو أبي علي إلى ميافارقين ، ففتح له باب البلد فدخله وملكه ، ولم يكن له فيه إلا السكة والخطبة لما نذكره .

وأما عبد البر فاستولى على آمد ، وزوج ابن دمنة ، الذي قتل أبا علي ، ابنته فعمل له ابن دمنة دعوة وقتله ، وملك آمد ، وعمر البلد وبنى لنفسه قصرا عند السور ، وأصلح أمره مع ممهد الدولة ، وهادى ملك الروم ، وصاحب مصر ، وغيرهما من الملوك وانتشر ذكره .

[ ص: 437 ] وأما ممهد الدولة فإنه كان معه إنسان من أصحابه يسمى شروة ، حاكما في مملكته ، وكان لشروة غلام قد ولاه الشرطة ، وكان ممهد الدولة يبغضه ، ويريد قتله ، ويتركه احتراما لصاحبه ، ففطن الغلام لذلك ، فأفسد ما بينهما ، فعمل شروة طعاما بقلعة الهتاخ ، وهي إقطاعه ، ودعا إليها ممهد الدولة ، فلما حضر عنده قتله ، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة ، وخرج من الدار إلى بني عم ممهد الدولة ، فقبض عليهم وقيدهم ، وأظهر أن ممهد الدولة أمره بذلك ، ومضى إلى ميافارقين وبين يديه المشاعل ، ففتحوا له ظنا منهم أنه ممهد الدولة ، فملكها ، وكتب إلى أصحاب القلاع يستدعيهم ، وأنفذ إنسانا إلى أرزن ليحضر متوليها ، ويعرف بخواجه أبي القاسم ، فسار خواجه نحو ميافارقين ، ولم يسلم القلعة إلى القاصد إليه .

فلما توسط الطريق سمع بقتل ممهد الدولة فعاد إلى أرزن ، وأرسل إلى أسعرد ، فأحضر أبا نصر بن مروان أخا ممهد الدولة ، وكان أخوه قد ( أبعده عنه ، وكان يبغضه لمنام رآه ، وهو أنه رأى ) كأن الشمس سقطت في حجره ، فنازعه أبو نصر عليها وأخذها ، فأبعده لهذا ، وتركه بأسعرد مضيقا عليه ، فلما استدعاه خواجه قال له دبير : تفلح ؟ قال : نعم .

وكان شروة قد أنفذ إلى أبي نصر ، فوجدوه قد سار إلى أرزن ، فعلم حينئذ انتقاض أمره . وكان مروان والد ممهد الدولة قد أضر ، وهو بأرزن ، عند قبر ابنه أبي علي ، وهو وزوجته ، فأحضر خواجه أبا نصر عندهما ، وحلفه على القبول منه ، والعدل ، وأحضر القاضي والشهود على اليمين وملكه أرزن ، ثم ملك سائر بلاد ديار بكر ، فدامت أيامه ، وأحسن السيرة ، وكان مقصدا للعلماء من سائر الآفاق ، وكثروا ببلاده .

[ ص: 438 ] وممن قصده أبو عبد الله الكازروني ، وعنه انتشر مذهب الشافعي بديار بكر ، وقصده الشعراء وأكثروا مدحه وأجزل جوائزهم ، وبقي كذلك من سنة اثنتين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين ، فتوفي فيها وكان عمره نيفا وثمانين سنة ، وكانت الثغور معه آمنة ، وسيرته في رعيته أحسن سيرة ، فلما مات ملك بلاده ولده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث