الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثامن فيما اختلف فيه من تقديم حقوق الله على حقوق عباده

[ ص: 176 ] وله أمثلة : أحدها إذا مات وعليه ديون وزكوات فإن كانت نصب الزكوات باقية قدمت الزكوات لأن تعلقها بالنصب يشبه تعلق الديون بالرهون ، وإن كانت تالفة فمن العلماء من قدم الديون نظرا إلى رجحان المصلحة في حقوق العباد ، ومنهم من سوى بينهما لتكافؤ المصلحتين عنده ، ومنهم من قدم الزكوات نظرا إلى رجحان المصلحة في حقوق الله وهذا هو المختار لوجهين : أحدهما قوله عليه السلام : { فدين الله أحق بالقضاء } ; فجعل دين الله أحق بالقضاء من ديون العباد .

والثاني : أن الزكوات فيها حق لله وحق للفقراء والمساكين فكانوا أحق بالتقديم ، فلا يجوز تقديم واحد على حقين ، ولا سيما إذا كان الدين لغني ، إذ لا نسبة لحقه إلى حق الفقراء مع ضرورتهم وخصاصتهم ، وإذا كان في الكفارة عتق كان أولى بالتقديم لاهتمام الشرع به وكثرة تشوقه إليه ، فإنه يكمل مبعضه فيمن أعتق بعض عبده ، ويسري إلى أنصباء الشركاء . فإن قيل : لو وجبت الكفارة في الغلاء الشديد والخوف على النفوس فهل يقدم الطعام فيها على العتق والكسوة أم لا ؟ قلنا : أما الكفارة المرتبة فلا يجوز تغيير ترتيبها بل يقدم فيها ما قدمه الله ، ويؤخر فيها ما أخره الله ، وأما كفارة الأيمان وكفارة الحلق في الحج فيقدم فيها الطعام والنسك على الصيام ، وكذلك يقدم الطعام في الكفارة على الإعتاق ولا سيما إذا كان الرقيق عاجزا عن الاكتساب مع غلاء الأسعار ، فإن إعتاقه يضر به [ ص: 177 ] وبالمساكين ، لأنه مسقط لنفقته على مولاه ، ومانع للمساكين من الارتفاق بالطعام مع سوء الحال وغلاء الأسعار .

المثال الثاني : اجتماع الحج والديون على الميت فمنهم من يقدم الحج لورود النص في تقديمه بقوله عليه السلام : { فدين الله أحق بالقضاء } ومنهم من يقدم الدين ، ومنهم من يسوي بينهما إن وجد من يحج بالحصة .

المثال الثالث : إذ اجتمع حق سراية العتق مع الديون ففيه نفس الأقوال ، والمختار تقديم سراية العتق ، لما ذكرناه في اجتماع الديون والزكوات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث