الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بعض ما اختص به النبي من الأحكام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

درس ( باب الخصائص ) ذكر فيه بعض ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام وهي ثلاثة أقسام : واجبة ومحرمة ومباحة والأول قسمان واجب عليه وواجب له علينا كإجابة المصلي إذا دعاه . والثاني قسمان أيضا حرام عليه كأكله الثوم وحرام علينا له كندائه باسمه وما أبيح له دوننا كتزوجه زيادة على أربعة ، فالأقسام خمسة أشار إلى الأول منها بقوله ( خص النبي صلى الله عليه وسلم ) عن غيره من أمته ويحتمل عن غيره من الأنبياء على معنى أنه خص بجميع ما يأتي بخلاف غيره فإنه لم يشاركه في الجميع بل في البعض ( بوجوب ) صلاة ( الضحى ) وأقل الواجب عليه منه ركعتان على هذا القول وهو ضعيف والجمهور على أنه مستحب عليه .

( و ) وجوب ( الأضحى ) أي الضحية ( و ) وجوب ( التهجد ) صلاة الليل بعد النوم وقيل : يسمى تهجدا مطلقا ( و ) وجوب ( الوتر بحضر ) راجع للثلاثة ( و ) وجوب ( السواك ) لكل صلاة ( وتخيير نسائه فيه ) أي في الإقامة معه طلبا للآخرة ومفارقته طلبا للدنيا فمن اختارت الدنيا بانت بمجرد ذلك وأشار للقسم الثاني وهو ما وجب علينا له بقوله ( وطلاق مرغوبته ) من إضافة المصدر لمفعوله أي خص بوجوب طلاقنا من رغب فيها أي في نكاحها لو وقع ، لكنه لم يقع ذلك منه عليه الصلاة والسلام أي لم يقع منه أنه رغب في امرأة رجل وطلقها له .

( وإجابة المصلي ) أي خص بأن يجب على المصلي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعاه حال الصلاة وهل تبطل قولان [ ص: 212 ] الأظهر عدم البطلان ; لأن إجابته إجابة لله وهي لا تبطل ( والمشاورة ) هذا وما بعده من القسم الأول الذي يجب عليه فالأولى تقديمه على ما يجب علينا له أي يجب عليه مشاورة أصحابه صلى الله عليه وسلم في الآراء والحروب تطييبا لخواطرهم وتأليفا لهم لا ليستفيد منهم علما أو حكما ; لأنه سيد العالمين وقدوة العارفين .

( وقضاء دين الميت ) أو الحي ( المعسر ) المسلم من ماله الخاص به ( وإثبات عمله ) أي المداومة عليه بمعنى أنه لا يقطعه رأسا فلا ينافي أنه قد كان يترك بعض العمل في بعض الأحيان لبيان أنه ليس بواجب أو لغرض من الأغراض الشرعية ( ومصابرة العدو الكثير ) ، ولو أهل الأرض فلا يفر منهم ، إذ منصبه الشريف يجل عن أن ينهزم ( و ) بوجوب ( تغيير المنكر ) ، إذ سكوته على فعل أمر تقرير له وهو يدل على جوازه فيلزم انقلاب الحرام جائزا .

التالي السابق


( باب الخصائص ) .

( قوله : بعض ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم ) أشار بذلك إلى أن المصنف لم يذكر في هذا الباب جميع ما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم بل بعضه .

( قوله : على هذا القول ) أي القائل بوجوب الضحى عليه .

( قوله : والأضحى ) هو لغة في الضحية ومحل وجوبها عليه إذا كان غير حاج ، وإلا كان مساويا لغيره في وجوب الهدي وعدم وجوبها .

( قوله : والتهجد ) أي لقوله تعالى { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } أي فتهجد به حالة كونه زيادة لك في الافتراض على الفرائض الخمسة .

( قوله : وقيل يسمى ) أي صلاة الليل تهجدا مطلقا سواء كانت بعد نوم أو قبله .

( قوله : راجع للثلاثة ) الضحية والتهجد والوتر فكل من الثلاثة لم يجب عليه إلا إذا كان حاضرا لا مسافرا ، والدليل على أن الوتر في السفر غير واجب عليه إيتاره على راحلته فلو كان فرضا ما فعله عليها ; لأن الفرض لا يفعل على الدابة حيث توجهت .

( قوله : لكل صلاة ) أي سواء كانت حضرية أو سفرية ، وانظر هل المراد كل صلاة فريضة أو ، ولو نافلة ، كذا نظر ابن الملقن في قولهم : يجب السواك عليه لكل صلاة ، وكذا في قوله { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } .

( قوله : بانت بمجرد ذلك ) فيه نظر بل الأصح أن من اختارت الدنيا يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما استظهره في التوضيح في فصل التخيير والتمليك لقول الله تعالى { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } ا هـ بن .

والحق أنه لم يثبت أن امرأة من نسائه صلى الله عليه وسلم اختارت الدنيا بل كلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وما قيل : إن فاطمة بنت الضحاك اختارت الدنيا فكانت تلتقط البعر وتقول : هي الشقية ، فقد رده العراقي بأنها استعاذت بالله منه ، ولم يثبت أنها قالت : اخترت الدنيا وأن آية التخيير إنما نزلت وفي عصمته التسع اللاتي مات عنهن .

( قوله : لكنه لم يقع ذلك ) أي وأما تزوجه بزوجة غيره بأمر الله له بزواجها إذا طلقها فواقع لقوله تعالى { فلما قضى [ ص: 212 ] زيد منها وطرا زوجناكها } .

( قوله : الأظهر عدم البطلان ) أي سواء أجابه المصلي بنحو نعم يا رسول الله أو بنحو ما فعلت الشيء الفلاني يا رسول الله جوابا لقوله عليه الصلاة والسلام هل فعلته .

( قوله : في الآراء والحروب ) الأولى في الآراء في الحروب وغيرها من المهمات ، وأفاد بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يشاور في الآراء في الحروب وغيرها مما ليس فيه حكم بين الناس ، وأما ما فيه حكم فلا يشاور لأنه يلتمس العلم منه ولا ينبغي أن يكون أحدهم أعلم بما أنزل عليه منه ، وقد قال قوم : إن له أن يشاور في الأحكام وهذه غفلة عظيمة منهم ; لأن الله سبحانه وتعالى يقول { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } الآية ، وأما غير الأحكام فربما رأوا بأعينهم أو سمعوا بآذانهم شيئا لم يره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمعه فإن قلت : ما ذكرته من أنه إنما كان يشاور في الآراء لا في الأحكام ، يرد عليه مشاورته في الأذان وفعله قبل الوحي به ; لأنا نقول : إن مشاورته في الشرائع كان جائزا في صدر الإسلام ، ثم نسخ ذلك بالمشاورة في غير الشرائع فقط وذلك لأن الأذان كان في السنة الأولى من الهجرة ونزول قوله تعالى { وشاورهم في الأمر } كان في السنة الثالثة والمشاورة في الشرائع كانت أولا جائزة ، ثم نسخت في السنة الثالثة بالأمر بالمشاورة في غيرها فقط ، كذا قرر شيخنا .

( قوله : أو الحي ) نحوه في خش وعبق قال بن : وهو في عهدتهما ، إذ لم أر من ذكر أن الحي كالميت ، وظاهر نصوصهم وظاهر الأحاديث التي في ح والمواق وغيرهما أنه خاص بالميت كالمصنف ومن جملة الأحاديث المذكورة { من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي } أي فعلي قضاؤه وإلي كفالة عياله .

( قوله : المعسر المسلم ) وهذا كان في صدر الإسلام قبل فتح الفتوحات ، ثم نسخ ذلك بوجوب قضائه من بيت المال .

( قوله : ومصابرة العدو ) أي والصبر على مقاتلة العدو الكثير بخوف أمته فإنه إذا زاد العدو على الضعف لم يجب الصبر .

( قوله : إذ منصبه الشريف يجل إلخ ) أي لأن الله تعالى وعده بالعصمة بقوله { والله يعصمك من الناس } أي من قتلهم لك فلا ينافي أنهم شجوا وجهه وكسروا رباعيته ، أو أن العصمة نزلت بعد الشج وكسر الرباعية ، وعلى هذا فالمراد بالعصمة من القتل وغيره

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث