الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( العلامة السادسة )

من علامات الساعة وأشراطها العظمى ما أشار إليه بقوله : ( ( وإن منها آية الدخان ) )

( ( وإن منها ) ) أي من أشراط الساعة التي ورد النص بها وإنها حق يجب الإيمان به ( ( آية ) ) أي علامة وأصلها أوية بفتح الواو وموضع العين واو والنسبة إليه أووي ، وقيل أصلها فاعلة فذهبت منها اللام أو العين تخفيفا ولو جاءت تامة لكانت آيية .

ومعنى الآي من كتاب الله تعالى جماعة حروف وكلمات من قولهم خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم لم يدعوا وراءهم شيئا ، وأما في غيره فهي العلامة أي من أشراط الساعة علامة ( ( الدخان ) ) كرمان [ ص: 129 ] وغراب لغتان والجمع أدخنة ودواخن ودواخين ، قال العلماء آية الدخان ثابتة بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) قال ابن عباس ، وابن عمر رضي الله عنهم ، والحسن ، وزيد بن علي رحمهم الله تعالى هو دخان قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفار والمنافقين ويعتري المؤمن كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ولم يأت بعد وهو آت .

وأما السنة فأخرج مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه ، قال طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر ، فقال " ما تذاكرون " قالوا الساعة يا رسول الله قال " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات " فذكر منها الدخان .

ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما .

وفي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن من أشراط الساعة دخانا يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث في الأرض أربعين يوما ، فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام ، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فيه ، ومنخريه ، وعينيه وأذنيه ، ودبره . رواه الطبراني ، ورواه البغوي ولفظه : قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( أول الآيات الدخان ، ونزول عيسى ابن مريم ، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا " قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا هذه الآية : ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) يملأ ما بين المشرق والمغرب - الحديث .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال " بادروا بالأعمال ستة : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدجال ، والدابة ، أو خاصة أحدكم ، أو أمر العامة " . وفي رواية وأمر العامة ، وخويصة أحدكم .

وقيل إن الدخان مر وإنه الجوع الذي كان حال بين أبصار قريش وبين السماء ، ففي الصحيحين ، والترمذي ، عن مسروق قال كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار [ ص: 130 ] ويأخذ المؤمن منها كهيئة الزكام . فقال عبد الله وجلس وهو غضبان يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم ، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال " اللهم سبع كسبع يوسف " وفي رواية لما دعا قريشا كذبوه واستعصوا عليه فقال اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله عز وجل لهم قال الله عز وجل ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) إلى قوله ( إنكم عائدون ) قال عبد الله أفيكشف عذاب الآخرة ؟ ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) فالبطشة يوم بدر وفي رواية ، قال : قال عبد الله إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فأنزل الله عز وجل : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ) قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله استسق لمضر فإنها قد هلكت . قال لمضر ؟ إنك لجريء واستسقى لهم فسقوا فنزلت ( إنكم عائدون ) فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية فأنزل الله تعالى ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ) يعني يوم بدر .

وفي رواية فقيل له إنا إن كشفنا عنهم عادوا ، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) إلى قوله ( إنا منتقمون ) .

وفي رواية الترمذي كقوله ربنا اكشف عنا العذاب فهل يكشف عذاب الآخرة ؟ قد مضى البطشة واللزام والدخان ، واللزام يوم بدر .

وفي البخاري ، ومسلم قال عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه : خمس قد مضين الدخان ، واللزام ، والروم ، والبطشة ، والقمر .

قال في النهاية في حديث أشراط الساعة ذكر اللزام وفسر بأنه يوم بدر . انتهى .

وكذا البطشة يوم بدر ، والروم [ ص: 131 ] إشارة إلى قوله ( غلبت الروم ) ، والقمر إشارة إلى قوله ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) .

قال العلامة الشيخ مرعي في بهجته كغيره : كلام ابن مسعود رضي الله عنه موافق لظاهر الآية فلا دليل فيها لما ذهب الجمهور وإنما دليلهم السنة وكأن ذلك لم يبلغ ابن مسعود رضي الله عنه حين أنكر ذلك مع أنه ورد عنه أيضا أنه كان يقول : هما دخانان مضى واحد والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة ، وأما الكافر فيشق مسامعه فيبعث الله عند ذلك الريح الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس .

والذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال : آية الدخان لم تمض بعد يأخذ المؤمن منها كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينقد .

وقد أخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه : إن ربكم أنذركم ثلاثا : الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة - الحديث . وورد ذلك من عدة طرق عن جماعة من الصحابة مرفوعا وموقوفا .

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : وتضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا . وقد قيل إن القاص الذي أنكر عليه ابن مسعود هو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهذا ليس بشيء فلا ينظر إليه ولا يعول عليه ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث