الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الإقالة بيع

جزء التالي صفحة
السابق

( 2966 ) مسألة ; قال : ( وليس كذلك الإقالة ; لأنها فسخ ، وعن أبي عبد الله ، الإقالة بيع ) اختلفت الرواية في الإقالة . فعنه أنها فسخ . وهو الصحيح ، واختيار أبي بكر ، وهو مذهب الشافعي . والثانية ، أنها بيع . وهي مذهب مالك ; لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه ، فلما كان الأول بيعا [ ص: 96 ] كذلك الثاني ، ولأنه نقل الملك بعوض ، على وجه التراضي ، فكان بيعا ، كالأول .

وحكي عن أبي حنيفة ، أنها فسخ في حق المتعاقدين . بيع في حق غيرهما . فلا تثبت أحكام البيع في حقهما ، بل تجوز في السلم ، وفي المبيع قبل قبضه ، ويثبت حكم البيع في حق الشفيع ، حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة . ولنا ، أن الإقالة هي الدفع والإزالة . يقال : أقالك الله عثرتك . أي أزالها . قال النبي صلى الله عليه وسلم { : من أقال نادما بيعته ، أقاله الله عثرته يوم القيامة } .

قال ابن المنذر : وفي إجماعهم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه } ، مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه ، دليل على أن الإقالة ليست بيعا ، ولأنها تجوز في المسلم فيه قبل قبضه ، فلم تكن بيعا كالإسقاط ، ولأنها تتقدر بالثمن الأول . ولو كانت بيعا لم تتقدر به ، ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع ، فكان فسخا ، كالرد بالعيب .

ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين ، كان فسخا في حق غيرهما ، كالرد بالبيع والفسخ بالخيار ، ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص ، والأصل اعتبار الحقائق . ( 2967 ) فصل : فإن قلنا : هي فسخ جازت قبل القبض وبعده .

وقال أبو بكر : لا بد فيها من كيل ثان ، ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان ، كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة . ولنا أنه فسخ للبيع ، فجاز قبل القبض ، كالرد بالعيب ، والتدليس ، والفسخ بالخيار ، أو اختلاف المتبايعين . وفارق العدة ، فإنها اعتبرت للاستبراء ، والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول ، بخلاف مسألتنا . فإن قلنا : هي بيع . لم يجز قبل القبض ، فيما يعتبر فيه القبض ; لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز ، كما لا يجوز من غيره . ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا ; لأنها رفع للعقد ، وإزالة له ، وليست بمعاوضة ، فأشبهت سائر الفسوخ .

ومن حلف لا يبيع فأقال ، لم يحنث . ولو كانت بيعا ، استحقت بها الشفعة ، وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها ، كسائر أنواع البيع . ولا يجوز إلا بمثل الثمن ، سواء قلنا : هي فسخ أو بيع ; لأنها خصت بمثل الثمن ، كالتولية . وفيه وجه آخر ، أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول . وأقل منه إذا قلنا : إنها بيع كسائر البياعات . فإن قلنا : لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول ، فأقال بأقل منه أو أكثر ، لم تصح الإقالة ، وكان الملك باقيا للمشتري . وبهذا قال الشافعي .

وحكي عن أبي حنيفة ، أنها تصح بالثمن الأول ، ويبطل الشرط ; لأن لفظ الإقالة اقتضى مثل الثمن ، والشرط ينافيه ، فبطل ، وبقي الفسخ على مقتضاه ، كسائر الفسوخ . ولنا ، أنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل ، فبطل ، كبيع درهم بدرهمين . ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صاحبه ، فإذا شرط زيادة أو نقصانا ، أخرج العقد عن مقصوده ، فبطل ، كما لو باعه بشرط أن لا يسلم إليه . ويفارق سائر الفسوخ ; لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما ، بل يستقل به أحدهما ، فإذا شرط عليه شيء ، لم يلزمه ; لتمكنه من الفسخ بدونه .

وإن شرط لنفسه شيئا ، لم يلزمه أيضا ; لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ . وفي مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما ، وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص ، فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه ، فتبطل الإقالة ; لعدم رضاه بها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث