الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


إذا علمت ذلك فخروج الدابة المذكورة ثابت بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) وأما السنة فكثيرة منها ما في حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب " وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا " تخرج دابة الأرض من أجياد فيبلغ صدرها الركن اليماني ولم يخرج ذنبها بعد وهي دابة ذات قوائم " .

وفي حديث حذيفة يرفعه " أول ما يبدو منها رأسها معلمة ذات وبر وريش " . وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها .

وروي فلا يخرج إلا رأسها فيبلغ عنان السماء وتبلغ السحاب . وقال أبو هريرة رضي الله عنه فيها من كل لون وما بين قرنيها فرسخ للراكب .

وقال وهب : وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير . وقال ابن جرير : رأسها رأس الثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن إبل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب تيس ، وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصلين اثني عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام .

وقال كعب : صوتها صوت حمار . وأخرج الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان ، وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ويقول هذا : يا كافر " .

وأخرج الإمام أحمد أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا " تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم ثم يشتري الرجل الدابة فيقول ممن اشتريت فيقول من الرجل المخطم " .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن لها عنقا مشرفا أي طويلا [ ص: 147 ] يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب ، ولها وجه كوجه الإنسان ، ومنقار كمنقار الطير ، ذات وبر وزغب .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ذات زغب وريش فيها من ألوان الدواب كلها ولها من كل أمة سيمة وسيماها من هذه الأمة أنها تكلم الناس بلسان عربي مبين وتكلمهم بكلامهم .

( قوله ) ذات زغب أي عليها زغب وهو صغار الريش أول ما يطلع كما في النهاية ، والأيل بفتح الهمزة وكسر التحتية مشددة وبضم وبفتح ( الواو وكسر ) العين وهو تيس الجبل والسيمة العلامة .

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قيل له إن ناسا يزعمون أنك دابة الأرض فقال : والله إن لدابة الأرض ريشا وزغبا وما لي ريش ولا زغب ، وإن لها حافرا وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثا وما خرج ثلثاها .

وفي الميزان للحافظ الذهبي عن جابر الجعفي أنه كان يقول : دابة الأرض علي بن أبي طالب .

قال الذهبي وكان جابر الجعفي شيعيا يرى الرجعة - أي أن عليا يرجع إلى الدنيا .

قال الإمام أبو حنيفة ما لقيت أحدا أكذب من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح .

وقال الشافعي : أخبرني سفيان بن عيينة ، قال كنا في منزل جابر الجعفي فتكلم بشيء فنزلنا خوفا أن يقع علينا السقف .

ومع ذلك روى له أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ومات سنة ست وستين ومائة عفا الله عنه .

وقال ابن الأثير في جامع الأصول : جابر بن يزيد الجعفي ويقال أبو محمد من أهل الكوفة مشهور ، وكان من أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكان يقول إن علي بن أبي طالب يرجع إلى الدنيا - وذكر ما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه فيه - قال : ومات سنة ثمان وعشرين ومائة .

وقال الحافظ المنذري في آخر كتابه ( الترغيب والترهيب ) : جابر بن يزيد الجعفي الكوفي عالم الشيعة ترك يحيى القطان حديثه ، وقال النسائي وغيره : متروك ، ووثقه شعبة ، وسفيان الثوري ، وقال وكيع : ما شككتم في شيء فلا تشكوا أن جابر الجعفي ثقة . والله أعلم .

قال العلماء رحمهم الله تعالى كما في الأحاديث أن مع الدابة عصا موسى [ ص: 148 ] وخاتم سليمان عليهما السلام وتنادي بأعلى صوتها ( أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ) وتسم الناس المؤمن والكافر فأما المؤمن فيرى وجهه كأنه كوكب دري ويكتب بين عينيه مؤمن ، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء ويكتب بين عينيه كافر ، فلا يبقى مؤمن إلا نكت في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه ، ولا يبقى كافر إلا نكت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه .

وفي رواية فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه نكتة فيبيض لها وجهه ، وتسم الكافر نكتة يسود لها وجهه .

وفي أخرى فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى أهل الخوان ليجتمعون فيقولون لهذا : يا مؤمن ، ولهذا : يا كافر ، ويتعوذ بعض الناس منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ، الآن تصلي فيقبل عليها فتسمه في وجهه ثم تنطلق ، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يعرف المؤمن الكافر وبالعكس حتى إن المؤمن ليقول للكافر يا كافر اقض حقي ، وتستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفذها ، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذها ، ثم المغرب واليمن كذلك .

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن ، والحاكم في المستدرك ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : لا يلبثون - يعني الناس - بعد يأجوج ومأجوج حتى تطلع الشمس من مغربها ، وجفت الأقلام وطويت الصحف ولا يقبل لأحد توبة ، ويخر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أسجد لمن شئت ، وتجتمع إليه الشياطين تقول يا سيدنا إلى من نفزع فيقول إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث فأنظرني إلى يوم الوقت المعلوم وقد طلعت الشمس من مغربها فهذا يوم الوقت المعلوم . وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل هذا قريني الذي كان يغويني فالحمد لله الذي أخزاه . ولا يزال إبليس ساجدا باكيا حتى تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد .

قال العلماء في سؤال إبليس أن ينظر ليوم البعث مكر منه وخداع وجهل برب العالمين فإنه إنما حاول أن لا يذوق الموت لأن يوم البعث ليس بيوم موت وإنما هو يوم بعث ونشور وإحياء وبعثرة لمن في القبور فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقبض إذ ذاك إبليس أو غيره وإنما ذلك يوم الجزاء فأجابه العليم الحكيم بأنه منظر إلى يوم الوقت المعلوم .

وهذا أصح من كعب الأحبار بأن [ ص: 149 ] إبليس إنما يذوق الموت يوم الحشر كما ذكره الكسائي في العرائس ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث