الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيما تتعلق به الأحكام من الجوارح

وأما الأفواه والبطون فلا يجوز أن يلقى فيها ما يحرم أكله كالميتة والدم والخمر ، ويجب أن يطرح فيها ما يجب أكله في حال الاضطرار .

وكذلك يستحب أن يطرح فيها ما يندب إلى أكله من الولائم والضحايا والهدايا ، وكذلك الابتلاع والمضغ بالأسنان ، والشرب كالأكل فيما ذكرناه ، وقد { أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من في الحسين رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة } ، وتقيأ العمران رضي الله عنه لحم جزور أكلاه ثم تبين لهما أنه حرام ، وأوجب الشافعي رحمه الله على من شرب خمرا أن يتقيأها فيحتمل أن يعلل ذلك بدفع مفسدة الإسكار وإن كان لكونها محرمة اطرد ذلك في جميع المأكولات بالحرام فيحرم تغذية الأجساد بالحرام كما يحرم بناء الدور بالآلات المحرمة ، ويجب نثرتها إن [ ص: 226 ] بنيت بها ، ويحتمل أن يفرق بأن الغذاء قد تعذر الوصول إليه وبطلت ماليته واستقر بدله في الذمة بخلاف أبنية الدور ، ويدل على ذلك أن من غذى شاة عشر سنين بمال محرم ، فإن أكلها لا يحرم عليه ولا على غيره ، فإن استحالة الأغذية عن صفاتها إلى صفات الأعضاء إتلاف لها لتعذر الوصول إليها واستحقاق مالكها لبدلها .

فإن قيل : إذا مضغ الطعام المغصوب في الأفواه فقد فسدت ماليته وبطلت قيمته واستقر بدله ، فهل يبقى اختصاص مالكه كما يبقى العبد المغصوب على اختصاص مالكه إذ بطلت ماليته بالموت فيحرم ابتلاعه ؟ قلت : لا يبطل اختصاصه كما لا يبطل الاختصاص بالعبد لوجوب تغسيله وتكفينه وحفر قبره ودفنه على مالكه وهذا أولى من العبد ، ولا نسلم إبطال ماليته فإنه طاهر منتفع به ويجوز إطعامه للطيور والبهائم والأطفال ، وإن أكل ما يحرم لضره كالسموم وغيرها وجب استقياؤه إذا كانت دافعة لضرره أو لبعض ضرره .

وكذلك لو ابتلع جوهرة لغيره وتمكن من استقاءتها لزمه استقاءتها إذ يجب تسليمها إلى ربها مع الإمكان ، وتسليمها بالاستقاءة ممكن في الحال ، ورد المغصوبات واجب على الفور ، ويتعلق بالأفواه من المأمورات التطهير بالمضمضة من الأحداث والأنجاس كما يتعلق الاستنشاق وغسل النجاسة ببواطن الأنوف ويتعلق بالأفواه أيضا النهي عن فتحها عند التثاؤب ، ويتعلق بالأنوف التحميد عند العطاس وغض الصوت به ، ويتعلق بها أيضا السجود عليها ندبا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث