الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير أول العنكبوت

وقد يجوز في بعض الأمور إظهار الموافقة وإبطان المخالفة، كالمكره على الكفر، كما هو مبسوط في غير هذا الموضع، إذ المقصود هنا أنه لا بد من الابتلاء بما يؤذي الناس، فلا خلاص لأحد مما يؤذيه البتة. ولهذا ذكر الله تعالى في غير موضع أنه لا بد أن يبتلي الناس، والابتلاء يكون بالسراء والضراء، ولا بد أن يبتلي الإنسان بما يسره ويسوؤه، فهو محتاج إلى أن يكون صابرا شكورا، قال تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ، وقال تعالى: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ، وقال تعالى: [ ص: 257 ]

فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين . هذا في آل عمران ، وقد قال قبل ذلك في البقرة، فإن البقرة نزل أكثرها قبل آل عمران: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .

وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة، وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال تعالى: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وقال تعالى: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ، وقال: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ، وقال تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال . [ ص: 258 ]

وقد ذكر عقوبات الأمم من آدم إلى آخر وقت، وفي كل ذلك يقول: إنهم ظلموا أنفسهم فهم الظالمون لا المظلومون، وأول من اعترف بذلك أبواهم، قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ، وقال لإبليس: لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ، وإبليس إنما تبعه الغواة منهم، كما قال: بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، وقال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين . والغي: اتباع هوى النفس.

وما زال السلف معترفين بذلك كقول أبي بكر وعمر وابن مسعود : أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.

وفي الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي يرويه الرسول عن ربه عز وجل: "يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

وفي الحديث الصحيح حديث سيد الاستغفار أن يقول العبد: [ ص: 259 ]

"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة".

وفي حديث أبي بكر الصديق من طريق أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه ما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى وإذا أخذ مضجعه: "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم". قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته : "الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا". وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتهافتون تهافت الفراش" .

شبههم بالفراش لجهله وخفة حركته، وهي صغيرة النفس، فإنها جاهلة سريعة الحركة. [ ص: 260 ]

وفي الحديث: "مثل القلب مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة" . وفي حديث آخر: "للقلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا" . ومعلوم سرعة حركة الريشة والقدر مع الجهل. ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه. قال عن فرعون: فاستخف قومه فأطاعوه . وقال تعالى: فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ، فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن، إذا كان مستقرا، واليقين: استقرار الإيمان في القلب علما وعملا، فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته، فإذا رأيت بصيرا صابرا فذاك. قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون .

ولهذا تشبه النفس بالنار في سرعة حركتها وإفسادها، وغضبها وشهوتها من النار، والشيطان من النار. وفي السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ". وفي الحديث الآخر : [ ص: 261 ]

"الغضب جمر توقد في جوف ابن آدم، ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه"، وهو غليان دم القلب لطلب الانتقام. وفي الحديث المتفق على صحته : "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".

وفي الصحيحين أن رجلين استبا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اشتد غضب أحدهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وقد قال تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ، وقال تعالى: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ، وقال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث