الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنبيه اختلف في آيات هل هي من قبيل المجمل أو لا

تنبيه : اختلف في آيات هل هي من قبيل المجمل أو لا ؟

منها : آية السرقة : قيل : إنها مجملة في اليد ; لأنها تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق ، وإلى المنكب . وفي القطع ; لأنه يطلق على الإبانة ، وعلى الجرح ، ولا [ ص: 644 ] ظهور لواحد من ذلك ، وإبانة الشارع من الكوع تبين أن المراد ذلك . وقيل : لا إجمال فيها ; لأن القطع ظاهر في الإبانة .

ومنها وامسحوا برءوسكم [ المائدة : 6 ] قيل : إنها مجملة ; لترددها بين مسح الكل والبعض ، ومسح الشارع الناصية مبين لذلك . وقيل : لا ، وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقل ما يطلق عليه الاسم ويفيده .

ومنها حرمت عليكم أمهاتكم [ النساء : 23 ] قيل : مجملة ; لأن إسناد التحريم إلى العين لا يصح ; لأنه إنما يتعلق بالفعل ، فلا بد من تقديره ، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ، ولا مرجح لبعضها .

وقيل : لا ، لوجود المرجح ، وهو العرف ; فإنه يقضي بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء أو نحوه .

ويجري ذلك في كل ما علق فيه التحريم والتحليل بالأعيان .

ومنها : وأحل الله البيع وحرم الربا [ البقرة : 275 ] : قيل : إنها مجملة ; لأن الربا الزيادة ، وما من بيع إلا وفيه زيادة ، فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم .

وقيل : لا ; لأن البيع منقول شرعا ، فحمل على عمومه ما لم يقم دليل التخصيص .

وقال الماوردي : للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال :

أحدها : أنها عامة ; فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل ، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ، ولم يبين الجائز ، فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع ، إلا ما خص منها ، فبين - صلى الله عليه وسلم - المخصوص . قال : فعلى هذا في العموم قولان :

أحدهما : أنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص .

والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص . قال : والفرق بينهما أن البيان في الثاني متقدم على اللفظ ، وفي الأول متأخر عنه مقترن به .

قال : وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يقع دليل تخصيص .

والقول الثاني : أنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم [ ص: 645 ] قال : هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهي عنه من البيوع ؟ وجهان . وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها ; لأن لفظ البيع اسم لغوي معناه معقول ، لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع العمومان ، ولم يتعين المراد إلا ببيان السنة ، فصار محلا لذلك دون اللفظ ، أو في اللفظ أيضا ; لأنه لما لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم ، وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلا أيضا ؟ وجهان :

. قال : وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ; وإن دلت على صحة البيع من أصله . ،

قال : وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل ، حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل .

والقول الثالث : أنها عامة مجملة معا ، قال : واختلف في وجه ذلك على أوجه :

أحدها : أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير .

والثاني : أن العموم في : ( وأحل الله البيع ) والإجمال في : ( وحرم الربا ) [ البقرة : 275 ] .

والثالث : أنه كان مجملا ، فلما بينه - صلى الله عليه وسلم - صار عاما فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها .

والقول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوعا وحرم بيوعا ، فاللام للعهد ; فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها . انتهى .

ومنها : الآيات التي فيها الأسماء الشرعية ، نحو : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [ البقرة : 43 ] . فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ البقرة : 185 . ] ولله على الناس حج البيت [ آل عمران : 97 ] . قيل : إنها مجملة ، لاحتمال الصلاة لكل دعاء ، والصوم لكل إمساك ، والحج لكل قصد . والمراد بها لا تدل عليه اللغة ، فافتقر إلى البيان .

وقيل : لا ، بل يحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل .

تنبيه : قال ابن الحصار : من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد .

قال : والصواب أن المجمل : اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه ، والمحتمل : اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا ، سواء كان حقيقة في كلها أو بعضها .

[ ص: 646 ] قال : والفرق بينهما : أن المحتمل يدل على أمور معروفة ، واللفظ مشترك متردد بينهما ، والمبهم : لا يدل على أمر معروف ، مع القطع بأن الشارع لم يفوض لأحد بيان المجمل ، بخلاف المحتمل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث