الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع باع كرمه على أن ينقده عشرين دينارا يعطيه ثلث الثمن إذا قطف ثلثه

جزء التالي صفحة
السابق

ص ( والشراء من دائم العمل كالخباز ، وهو بيع وإن لم يدم فسلم )

ش : هذه تسمى بيعة أهل المدينة لاشتهارها بينهم والمسألة في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة وفي أوائل السلم قال في كتاب التجارة : وقد كان الناس يتبايعون اللحم بسعر معلوم أخذ كل يوم شيئا معلوما ويشرع في الأخذ ويتأخر الثمن إلى العطاء وكذلك كل ما يباع في الأسواق ولا يكون إلا بأمر معلوم يسمى ما يأخذ كل يوم وكان العطاء يومئذ مأمونا ولم يروه دينا بدين واستخفوه انتهى . وقد ذكروا أنه يتأخر الشروع العشرة الأيام ونحوها ، وقال في رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع :

وحدثنا مالك عن عبد الرحمن المجمر عن سالم بن عبد الله قال : كنا نبتاع اللحم من الجزارين بسعر معلوم نأخذ منه كل يوم رطلا أو رطلين أو ثلاثة ويشترط عليهم أن يدفعوا الثمن من العطاء قال : وأنا أرى ذلك حسنا قال مالك ولا أرى به بأسا إذا كان العطاء مأمونا وكان الثمن إلى أجل فلا أرى به بأسا قال ابن رشد : كنا إلخ يدل على أنه معلوم عندهم مشهور ولاشتهار ذلك من فعلهم سمي بيعة أهل المدينة ، وهذا أجازه مالك وأصحابه اتباعا لما جرى عليه العمل بالمدينة بشرطين أن يشرع في أخذ ما أسلم فيه وأن يكون أصله عند المسلم إليه على ما قاله غير ابن القاسم في سماع سحنون من السلم والآجال وليس ذلك محض سلم ولذلك جاز تأخير رأس المال إليه فيه ولا شراء شيء بعينه حقيقة ولذلك جاز أن يتأخر قبض جميعه إذا شرع في قبض أوله وقد روي عن مالك أنه لم يجز ذلك ورآه دينا بدين ، وقال : تأويل حديث المجمر أن يجب عليه ثمن ما يأخذ كل يوم إلى العطاء ، وهذا تأويل سائغ في الحديث ; لأنه إنما سمى فيه السوم وما يأخذ كل يوم ولم يذكر عدد الأرطال التي اشترى منه فلم ينعقد بينهما بيع على عدد مسمى من الأرطال فكلما أخذ شيئا وجب عليه ثمنه إلى العطاء ولا يلزم واحدا منهما التمادي على ذلك إذا لم يعقدا بيعهما على عدد معلوم مسمى من الأرطال فكلما أخذ شيئا وجب عليه ثمنه إلى العطاء وإجازة ذلك مع تسمية الأرطال التي يأخذ منها في كل يوم رطلين أو ثلاثة على الشرطين المذكورين هو المشهور في المذهب ، وهو قوله : في هذه الرواية وأنا أراه حسنا معناه وأنا أجيز ذلك استحسانا اتباعا لعمل أهل المدينة وإن كان القياس يخالفه ، انتهى .

( فرع ) قال في النوادر : ومن أسلم في لحم ضأن يأخذ كل يوم وزنا معلوما فله أن يأخذه في يومه لحما يقدره ولا يتعجل منه في ذلك اليوم أكثر من شرطه ومن الواضحة [ ص: 539 ] وإذا شرط أن يأخذ كل يوم من اللحم كذا فأخذ يوما أكثر من الشرط وأدى ثمن الزائد فإن كان ما أخذ مثل صفة شرطه فجائر وإن كان بخلاف الصفة من ثمن اللحم أو عظم الحيتان أو وصفا من اللحم غير ما له عليه لم يجز أن يشتري منه زيادة في الوزن ولو جاءه بمثل الوزن دون الصفة أو خلاف الجنس ويعطيه معه عرضا أو عينا لم يجز ولا يأخذ أكثر وزنا وأدنى صفة ثمنا ولو سأله أن يعجل له شرط اليومين أو ثلاثة جاز ما لم يعطه أدنى صفة أو أعلى فلا يجوز ا هـ .

ص ( كاستصناع سيف أو سرج وفسد بتعيين المعمول منه أو العامل )

ش : قال في المدونة : من استصنع طستا أو قلنسوة أو خفا [ ص: 540 ] أو غير ذلك مما يعمل في الأسواق بصفة معلومة فإن كان مضمونا إلى مثل أجل السلم ولم يشترط عمل رجل بعينه ولا شيئا بعينه يعمله منه جاز ذلك إذا قدم رأس المال مكانه أو إلى يوم أو يومين فإن ضرب لرأس المال أجلا بعيدا لم يجز وصار دينا بدين وإن اشترط عمله من نحاس أو حديد بعينه أو ظواهر معينة أو عمل رجل بعينه لم يجز وإن نقده ; لأنه غرر لا يدري أسلم إلى ذلك أم لا ولا يكون السلف في شيء معين ا هـ قال أبو الحسن بعد أن ذكر كلام ابن رشد الذي ذكره المصنف في التوضيح ، وقاله الشارح في الكبير وابن غازي قالوا وهذه الأقسام الأربعة في الكتاب أحدها قوله : فإن كان مضمونا إلى مثل أجل السلم ، والثلاثة الأقسام تؤخذ من قوله وإن اشترط عمله من نحاس بعينه يعني والرجل غير معين ، وقوله : رجل بعينه يعني والمصنوع منه غير معين ، ثم قال في الجواب عن الوجهين لم تجز ولو عين كلا منهما لكان أحرى في المنع إلا أنه انظر كيف يستقيم هذا مع ما ذكره ابن رشد فقال : كلام ابن رشد إنما هو في بيع النقد أعني فيما عدا الوجه الأول وجاء به في الكتاب إنما هو في بيع الأجل ا هـ ، ثم تكلم أبو الحسن على الوجه الرابع في كلام ابن رشد ، وهو ما إذا كان المصنوع منه مضمونا والصانع معين لا يجوز وجعله معارضا لما تقدم في مسألة الشراء من دائم العمل ويمكن أن يحمل كلام المدونة على ما إذا لم يشتر المعمول منه ، وكلام ابن بشير فيما إذا اشترى ، ولعل المصنف فهم ذلك فذكر أولا أنه يفسد بتعيين المعمول منه ، والصانع .

ثم قال : ولو اشترى المعمول منه واستأجره جاز ولهذا قيد ذلك بقوله إن شرع ، وإنما لم يجز إذا لم يشرع ; لأنه يصير هنا من بيع معين يتأخر قبضه ويفهم هذا من كلام ابن عبد السلام ومن كلام الرجراجي ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث