الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الوضوء مرة مرة وثلاثا ثلاثا

127 ص: فثبت بما ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ مرة مرة ، فثبت بذلك أن ما كان منه من وضوئه ثلاثا إنما لإصابة الفضل لا للفرض.

التالي السابق


ش: كلامه يشعر بأن الثانية والثالثة فضيلة، وإنما الفرض هو المرة ، فإن قلت: أخرج أبو داود : من حديث عمرو بن شعيب في حديث: الوضوء ثلاثا ثلاثا، وفي آخره: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم -أو ظلم وأساء" .

فهذا يقتضي أن يكون بترك الثانية والثالثة مسيئا ظالما، وتارك الفضيلة غير مسيء ولا ظالم.

قلت: معنى قوله: "فقد أساء" أي في الأدب بتركه السنة والتأدب بآداب الشرع، ومعنى "ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب وفي تركه الفضيلة والكمال، ويقال: إنما يكون ظالما إذا اعتقد خلاف السنة في الثلاث.

وقد قيل: إن حديث عمرو بن شعيب هذا لا يعادل الأحاديث الصحيحة التي فيها الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، ولكن فيه ما فيه; لأن حديثه صحيح عند من يصحح رواية شعيب عن جده عبد الله ؛ لصحة الإسناد إليه، وقيل: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان; لأن الظلم وضع الشيء في غير محله، قلت: الزيادة على الثلاث أيضا وضع الشيء في غير محله، وأيضا إنما يتمشى هذا في رواية تقديم الإساءة على النقصان.

[ ص: 250 ] وفي "البدائع": واختلف في تأويله، فقيل: زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه.

وقيل: زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة.

والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل، معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث ولم ير الثلاث سنة; لأن من لم ير سنة النبي - عليه السلام - سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد، حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد; لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وإنه نور على نور على لسان النبي عليه السلام.

وقال البخاري : كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوز فعل النبي عليه السلام .

هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، وقد قال الشافعي في "الأم": لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه إن شاء الله.

وذكر أصحابه ثلاثة أوجه; أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة كراهة تنزيه، وثانيها: أنها حرام، وثالثها: أنها خلاف الأولى.

وأبعد قوم فقالوا: إذا زاد على الثلاث بطل وضوءه، حكاه الدارمي في استذكاره، وهو خطأ.

وبقيت هنا فائدتان:

الأولى: بيان ما روي عنه - عليه السلام - أنه توضأ مرتين مرتين، وما روي عنه أنه توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثا، وما روي أنه توضأ بعض وضوءه مرة وبعضه ثلاثا، فهذه ثلاثة أقسام لم يذكرها الطحاوي ، فنقول:

قال البخاري : ثنا الحسين بن عيسى ، ثنا يونس بن محمد ، أنا فليح بن [ ص: 251 ] سليمان ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عباد بن تميم ، عن عبد الله بن زيد "أن النبي - عليه السلام - توضأ مرتين مرتين" .

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، ثنا زيد -يعني ابن حباب - عن عبد الرحمن بن ثوبان ، ثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : "أن النبي - عليه السلام - توضأ مرتين مرتين" .

وأخرجه الترمذي أيضا، وقال: هذا حديث حسن غريب.

وقال الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر قال: ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه، وغسل رجليه [مرتين] " وقال: أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وقد ذكر في غير حديث أن النبي - عليه السلام - توضأ بعض وضوئه مرة، وبعضه ثلاثا، وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك، ولم يروا بأسا أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه [ثلاثا وبعضه] مرتين أو مرة.

وروى الدارقطني في سننه: وقال: ثنا إبراهيم بن حماد ، ثنا العباس بن يزيد ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن يحيى بن عمارة ، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري النداء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- توضأ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، ورجليه مرتين" كذا قال ابن عيينة ، وإنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، وليس هو الذي أري النداء.

حدثنا محمد بن عبد الله بن زكريا ، ثنا أحمد بن شعيب ، أنا محمد بن منصور ، [ ص: 252 ] ثنا سفيان ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الذي أري النداء، قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -توضأ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين" .

حدثنا جعفر بن محمد الواسطي ، ثنا موسى بن إسحاق ، ثنا أبو بكر ، ثنا ابن عيينة بهذا الإسناد، وقال: "ومسح برأسه ورجليه مرتين" .

ثنا دعلج بن أحمد ، ثنا محمد بن علي بن زيد ، ثنا سعيد بن منصور ، نا سفيان بهذا: "أن النبي - عليه السلام - غسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين مرتين" .

الفائدة الثانية: أن الطحاوي قد أخرج في هذا الباب في الوضوء أحاديث عن ثمانية من الصحابة وهم: علي ، وعثمان ، وأبو أمامة ، وعمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن زيد ، وأبو رافع رضي الله عنهم.

قال الترمذي : بعد أن أخرج حديث علي - رضي الله عنه -: وفي الباب عن عثمان ، وعن عائشة ، والربيع ، وابن عمر ، وأبي أمامة ، وأبي رافع ، وعبد الله بن عمرو ، ومعاوية ، وأبي هريرة ، وجابر ، وعبد الله بن زيد ، وأبي بن كعب رضي الله عنهم.

قلت: وفي الباب أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى ، وأبي مالك الأشعري ، والبراء بن عازب ، وأنس بن مالك ، ووائل بن حجر ، وأبي بكرة ، وعبد الله بن أنيس ، ومعاذ بن جبل ، وأبي كاهل ، والمقدام بن معدي كرب ، وكعب بن عمرو ، وبريدة ، وابن الفاكه فهؤلاء (تسعه وعشرون) صحابيا.

فحديث عائشة - رضي الله عنها - عند ابن ماجه : "أن النبي - عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا" .

[ ص: 253 ] وحديث الربيع عنده أيضا: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء : "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثا" .

وحديث ابن عمر عنده أيضا: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا" ورفع ذلك إلى النبي - عليه السلام -.

وحديث معاوية عند أبي داود "أنه توضأ للناس كما رأى رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، فلما بلغ رأسه اغترف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه" .

وحديث أبي هريرة عند الطبراني في "الأوسط": "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا" .

وحديث جابر عند ابن ماجه : عن ثابت بن أبي صفية قال: "سألت أبا جعفر قلت له: حدثت عن جابر بن عبد الله أن النبي - عليه السلام - توضأ مرة مرة"؟ قال: نعم، قلت: ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم" .

وحديث عبد الله بن زيد عند البخاري : وقد ذكرناه.

وحديث أبي بن كعب عند ابن ماجه : "أن رسول الله - عليه السلام - دعا بماء، فتوضأ [ ص: 254 ] مرة مرة، فقال: هذا وظيفة الوضوء، أو قال: وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي" .

وحديث عبد الله بن أبي أوفى عنده أيضا قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ (ثلاثا) ومسح رأسه مرة" .

وحديث أبي مالك عنده أيضا قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ثلاثا ثلاثا" .

وحديث البراء بن عازب عند أحمد ، و(كان أميرا بعمان ) فقال: "اجتمعوا (لأريكم) كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، وكيف كان يصلي، فإني لا أدري ما قدر صحبتي إياكم، قال: فجمع بنيه وأهله، ودعا بوضوء فتمضمض واستنثر، فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا وغسل هذه ثلاثا -يعني اليسرى- ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل هذه الرجل يعني اليمنى ثلاثا، وغسل هذه الرجل (يعني اليسرى ثلاثا) ثم قال: هكذا ما ألوت أن أريكم كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ" .

[ ص: 255 ] وحديث أنس عند الطبراني في "الأوسط": "رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ثلاثا ثلاثا (وقال: بهذا أمرني ربي عز وجل)" .

وحديث وائل بن حجر عنده في "الكبير" وعند البزار قال: "حضرت رسول الله - عليه السلام - وقد أتي بإناء فيه ماء فأكفأ على يمينه ثلاثا، ثم غمس يمينه في الإناء فأفاض بها على اليسرى ثلاثا، ثم غمس اليمنى فحفن حفنة من ماء فمضمض بها، واستنشق واستنثر ثلاثا، ثم أدخل كفيه في الإناء فحمل بهما ماء فغسل وجهه ثلاثا، ثم خلل لحيته، ثم مسح باطن أذنيه، وأدخل خنصره في داخل أذنه; ليبلغ الماء، ثم مسح رقبته وباطن لحيته من فضل ماء الوجه، وغسل ذراعه اليمنى ثلاثا حتى جاوز المرفق، وغسل اليسرى مثل ذلك باليمنى حتى جاوز المرفق، ثم مسح على رأسه ثلاثا، ومسح ظاهر أذنيه، ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا، وخلل أصابعها، وجاوز بالماء الكعب، ورفع في الساق الماء، ثم فعل في اليسرى مثل ذلك، ثم أخذ حفنة من ماء بيده اليمنى فوضعه على رأسه حتى تحدر من جوانب رأسه، وقال: هذا تمام الوضوء، فدخل محرابه فصف الناس خلفه، ونظر عن يمينه ويساره" .

وحديث أبي بكرة عند البزار قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ فغسل يديه ثلاثا، ومضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، و[غسل] ذراعيه إلى المرفقين، ومسح برأسه يقبل بيديه من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه، ثم غسل رجليه ثلاثا، وخلل [بين] أصابع رجليه، وخلل لحيته" .

[ ص: 256 ] وحديث عبد الله بن أنيس عند الطبراني في "الأوسط" قال: "ألا أريكم كيف كان توضأ رسول الله - عليه السلام - وكيف صلى؟ قلنا: بلى، فغسل يديه ثلاثا ثلاثا [ومضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه وذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا] ومسح برأسه مقبلا ومدبرا، وأمس أذنيه [وغسل] رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم أخذ ثوبا فاشتمل به وصلى، قال: هكذا رأيت حبي رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ويصلي" .

وحديث معاذ بن جبل (عنده) أيضا في "الكبير" قال: "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ واحدة (واحدة) ، وثنتين (ثنتين) وثلاثا ثلاثا كل ذلك كان يفعل" .

وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب ، وهو ضعيف.

وحديث أبي كاهل عنده أيضا في "الكبير" قال: "مررت برسول الله - عليه السلام - وهو يتوضأ [فقلت]: يا رسول الله، قد أعطانا الله منك خيرا كثيرا، فغسل كفيه، ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه ولم يوقت، وظهر قدميه ولم يوقت، وقال: يا أبا كاهل ، ضع الطهور مواضعه، وأبق فضل طهورك لأهلك لا تعطش أهلك ولا تشقق على خادمك" .

وفي إسناده الهيثم بن جماز ، وهو متروك.

[ ص: 257 ] وحديث المقدام بن معدي كرب عند أبي داود قال: "أتي رسول الله - عليه السلام - بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" .

وحديث كعب بن عمرو عند الطبراني وأبي داود

وحديث بريدة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث