الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التعزير

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 62 ] ( و ) التعزير ( ليس فيه تقدير بل هو مفوض إلى رأي القاضي ) وعليه مشايخنا زيلعي لأن المقصود منه الزجر ، وأحوال الناس فيه مختلفة بحر ( ويكون ) التعزير ( بالقتل كمن ) وجد رجلا [ ص: 63 ] مع امرأة لا تحل له ، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر ، وكذا الغلام وهبانية ( إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا ) بأن علم أنه ينزجر بما ذكر ( لا ) يكون بالقتل ( وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما ) كذا عزاه الزيلعي للهندواني .

التالي السابق


( قوله والتعزير ليس فيه تقدير ) أي ليس في أنواعه ، وهذا حاصل قوله قبله ويكون به وبالصفع إلخ . قال في الفتح : وبما ذكرنا من تقدير أكثره يعرف ما ذكر من أنه ليس في التعزير شيء مقدر بل مفوض إلى رأي الإمام : أي من أنواعه ، فإنه يكون بالضرب وبغيره . أما إذا اقتضى رأيه الضرب في خصوص الواقعة فإنه حينئذ لا يزيد على تسعة وثلاثين . ا هـ . قلت : نعم له الزيادة من نوع آخر ، بأن يضم إلى الضرب الحبس كما يذكره المصنف ، وذلك يختلف باختلاف الجناية والجاني . قال الزيلعي : وليس في التعزير شيء مقدر . وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايتهم ، فإن العقوبة فيه تختلف باختلاف الجناية ، فينبغي أن يبلغ غاية التعزير في الكبيرة ، كما إذا أصاب من الأجنبية كل محرم سوى الجماع أو جمع السارق المتاع في الدار ولم يخرجه ، وكذا ينظر في أحوالهم ، فإن من الناس من ينزجر باليسير ، ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير . وذكر في النهاية : التعزير على مراتب إلى آخر ما مر عن الدرر .

أقول : وظاهر عبارته أن قوله وذكر في النهاية إلخ بيان لقوله وكذا ينظر في أحوالهم إلخ : أي أن أحوال الناس على أربع مراتب ، فلا يكون ما في النهاية والدرر مخالفا للقول بالتفويض ، وحينئذ فيكون المراد بالمرتبة الأولى وهي أشراف الأشراف من كان ذا مروءة صدرت منه الصغيرة على سبيل الزلة والندور ، فلذا قالوا تعزيره بالإعلام لأنه في العادة لا يفعل ما يقتضي التعزير بما فوق ذلك ، ويحصل انزجاره بهذا القدر من التعزير ، فلا ينافي أنه على قدر الجناية أيضا ، حتى لو كان من الأشراف لكنه تعدى طوره ففعل اللواطة أو وجد مع الفسقة في مجلس الشرب ونحوه لا يكتفى بتعزيره بالإعلام فيما يظهر لخروجه عن المروءة ، لأن المراد بها كما في الفتح وغيره الدين والصلاح وسيأتي آخر الباب أنه لو تكرر منه الفعل يضرب التعزير فهذا صريح في أنه بالتكرار لم يبق ذا مروءة وهذا مؤيد لما قدمه في النهر من أنه لو ضرب غيره فأدماه لا يكفي تعزيره بالإعلام إلخ ثم رأيت في الشرنبلالية عين ما بحثته ، حيث قال : ولا يخفى أن هذا : أي الاكتفاء بتعزيره بالإعلام إنما هو مع ملاحظة السبب فلا بد أن لا يكون مما يبلغ به أدنى الحد ، كما إذا أصاب من أجنبية غير الجماع ا هـ فهذا صريح في أن من كان من الأشراف يعزر على قدر جنايته وأنه لا يكتفى فيه بالإعلام إذا كانت جنايته فاحشة تسقط بها مروءته ، فقد ثبت بما قلنا عدم مخالفة ما في الدرر للقول بتفويضه للقاضي ، وأن المعتبر حال الجناية والجاني ، خلافا لما فهمه في البحر كما قدمناه ، فاغتنم هذا التحرير المفرد ( قوله وعليه مشايخنا ) قدمنا عبارة الزيلعي عند قوله وأقله ثلاثة .

مطلب يكون التعزير بالقتل ( قوله ويكون التعزير بالقتل ) رأيت في [ الصارم المسلول ] للحافظ ابن تيمية أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والجماع في غير القبل إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله ، وكذلك له أن يزيد [ ص: 63 ] على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك ، ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة ، وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها ، ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه وقالوا يقتل سياسة . ا هـ . وسيأتي تمامه في فصل الجزية إن شاء الله تعالى ، ومن ذلك ما سيذكره المصنف من أن للإمام قتل السارق سياسة أي إن تكرر منه وسيأتي أيضا قبيل كتاب الجهاد أن من تكرر الخنق منه في المصر قتل به سياسة لسعيه بالفساد ، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل ، وسيأتي أيضا في باب الردة أن الساحر أو الزنديق الداعي إذا أخذ قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل ، ولو أخذ بعدها قبلت ، وأن الخناق لا توبة له وتقدم كيفية تعزير اللوطي بالقتل ( قوله مع امرأة ) ظاهره أن المراد الخلوة بها وإن لم ير منه فعلا قبيحا كما يدل عليه ما يأتي عن منية المفتي كما تعرفه فافهم ( قوله فلها قتله ) أي إن لم يمكنها التخلص منه بصياح أو ضرب وإلا لم تكن مكرهة فالشرط الآتي معتبر هنا أيضا كما هو ظاهر .

ثم رأيته في كراهية شرح الوهبانية ، ونصه : ولو استكره رجل امرأة لها قتله وكذا الغلام ، فإن قتله فدمه هدر إذا لم يستطع منعه إلا بالقتل ا هـ فافهم ( قوله إن كان يعلم ) شرط للقتل الذي تضمنه قوله كمن وجد رجلا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث