الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو أقر عبد ) مكلف ( بسرقة قطع وترد السرقة إلى المسروق منه ) لو قائمة ( كما لو قامت عليه بينة بذلك ) لكن ( بشرط حضرة مولاه عند إقامتها ) خلافا للثاني لا عند إقراره بحد اتفاقا . ( { ولا غرم على السارق بعدما قطعت يمينه } ) هذا لفظ الحديث درر وغيرها ، ورواه الكمال " { بعد قطع يمينه } " ( وترد العين لو قائمة ) وإن باعها أو وهبها لبقائها على ملك مالكها ( ولا فرق ) في عدم الضمان ( بين هلاك العين واستهلاكها في الظاهر ) من الرواية ، لكنه يفتى بأداء قيمتها ديانة ، وسواء كان الاستهلاك ( قبل القطع أو بعده ) [ ص: 111 ] مجتبى . وفيه لو استهلكه المشتري منه أو الموهوب له فللمالك تضمينه ( ولو قطع لبعض السرقات لم يضمن شيئا ) وقالا يضمن ما لم يقطع فيه .

التالي السابق


( قوله ولو أقر عبد مكلف إلخ ) أما لو كان صغيرا لم يقطع ويرد المال لو قائما وكان مأذونا ، وإن هالكا يضمن وإن كان محجورا وصدقه المولى يرد المال إلى المسروق منه لو قائما ، ولو هالكا فلا ضمان ولا بعد العتق بحر ( قوله قطع ) ; لأن إقرار العبد على نفسه وبالحدود والقصاص صحيح من حيث إنه آدمي ; لأنه لا تهمة فيه ، وإذا صح بالقطع صح بالمال بناء عليه ، ولا فرق بين كون العبد مأذونا أو لا ، صدقه المولى أو لا ، وتمامه في البحر ( قوله لو قائمة ) فلو مستهلكة فلا ضمان ويقطع اتفاقا بحر ( قوله كما لو قامت عليه بينة بذلك ) أي فإنه يقطع بالطريق الأولى ويرد المال إلى المسروق منه بحر ( قوله ولا غرم على السارق ) التعبير بالغرم يفيد أن المسروق غير باق فلو قائما يؤمر بالرد ; فقول المصنف بعد ويرد العين تصريح بمفهوم قوله ولا غرم ط ( قوله وغيرها ) كالهداية ( قوله ورواه الكمال { بعد قطع يمينه } ) عزاه إلى الدارقطني ، لكن عزاه العلامة نوح إلى الدارقطني أيضا بلفظ المتن والمعنى واحد فإن ما مصدرية ، وأعل الحديث بالإرسال وبجهالة بعض رواته ، وجوابه مبسوط في الفتح وحاشية نوح على الدرر ، واستدلوا بعد الحديث بالمعقول أيضا .

قال في الفتح : ولأن وجوب الضمان ينافي القطع ; لأنه يتملكه بأداء الضمان مستندا إلى وقت الأخذ ، فتبين أنه أخذ ملكه فلا يقطع في ملكه لكن القطع ثابت قطعا ، فما يؤدي إلى انتفائه وهو الضمان فهو المنتفي ( قوله لبقائها على ملك مالكها ) ولذا قال في الإيضاح قال أبو حنيفة : لا يحل للسارق الانتفاع بها بوجه من الوجوه ، وكذا لو خاطها قميصا لا يحل له الانتفاع به ; لأنه ملكه بوجه محظور ، وقد تعذر إيجاب القضاء به فلا يحل الانتفاع ، كمن دخل دار الحرب بأمان وأخذ شيئا من أموالهم لم يلزمه الرد قضاء ويلزمه ديانة ، وكالباغي إذا أتلف مال العادل ثم تاب فتح ( قوله في الظاهر من الرواية ) وفي رواية الحسن : لا يظهر سقوط العصمة في حق الاستهلاك ( قوله لكنه يفتى إلخ ) قال في الفتح : وفي المبسوط : روى هشام عن محمد أنه إنما يسقط الضمان عن السارق قضاء لتعذر الحكم بالمماثلة ، فأما ديانة فيفتى بالضمان للحقوق والخسران والنقصان للمالك من جهة السارق ( قوله قبل القطع ) يعني ثم قطع ; لأن انتفاء الضمان إنما هو بسبب القطع كما علمت ، وقدم الشارح أيضا أن سقوط التقوم ضرورة القطع ( قوله أو بعده ) لكن يفرق بينهما بما في الكافي لو كان قبل القطع ، فإن قال المالك أنا أضمنه لم يقطع عندنا ، وإن قال أنا أختار القطع يقطع [ ص: 111 ] ولا يضمن . ا هـ .

قال في البحر ; لأنه في الأولى تضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال ( قوله فللمالك تضمينه ) أي تضمين المشتري أو الموهوب له ثم يرجع المشتري على السارق بالثمن لا بالقيمة تتارخانية عن المحيط وفيها عن شرح الطحاوي : لو قطع ثم استهلكه غيره كان للمسروق منه أن يضمنه قيمته ا هـ ومثله في النهر عن السراج . وظاهره أن غير المشتري والموهوب له مثلهما ، لكن ذكر في التتارخانية أيضا : لو أودعه عند غيره فهلك الأصل فيه أن كل موضع لو ضمنه المالك له أن يرجع على السارق فليس له أن يضمنه ، وفي كل موضع لو ضمنه لا يرجع على السارق فله أن يضمنه والذي يرجع عليه المودع والمستأجر والمرتهن . ا هـ . قلت : ووجهه ظاهر ; لأن ما يثبت فيه الرجوع على السارق يلزم منه أن يكون مضمونا على السارق بعد القطع مع أنه غير مضمون عليه بخلاف ما لا رجوع فيه عليه لكن هذا التفصيل ظاهر في الهلاك ولذا فرض المسألة فيما لو أودعه فهلك ، بخلاف الاستهلاك فإن المستهلك متعد فلا رجوع له على السارق أصلا بلا فرق بين كونه مشتريا أو مودعا أو مستأجرا ، نعم للمشتري الرجوع بالثمن على السارق ; لأنه لما استهلكه وضمن قيمته ملكه من وقت الاستهلاك فيرجع على السارق بما دفعه إليه من الثمن لا بالقيمة لظهور أن ما دفعه إليه لا يملك قبضه فيرجع به لا بما ضمن ، فاغتنم تحرير هذا المحل فإنه من فيض المولى عز وجل .

( قوله ولو قطع إلخ ) أي لو سرق سرقات فقطع في أحدها بخصومة صاحبها وحده فهو : أي ذلك القطع بجميعها ولا يضمن شيئا لأرباب تلك السرقات عنده ، وقالا : يضمن كلها إلا التي قطع فيها ، فإن حضروا جميعا وقطعت يده بخصومتهم لا يضمن شيئا من السرقات بالاتفاق فتح




الخدمات العلمية