الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في آداب زيارته صلى الله عليه وسلم

فصل

ومن بر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتوقيره بر آله وذريته وأزواجه وأمهات المؤمنين- رضي الله تعالى عنهم أجمعين- .

روى ابن جرير عن يزيد بن حبان ، عن زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه- قال : قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطيبا بما يدعى حمى بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، إني أنتظر أن يأتيني رسول ربي فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين ، أحدهما : كتاب الله ، فيه الهدى والصدق ، فاستمسكوا بكتاب الله .

ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، ثلاث مرات ، فقيل لزيد : ومن أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ فقال زيد : إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة [بعده ، فقيل : ومن هم ؟ قال : هم آل العباس وآل جعفر وآل عقيل ، قيل : أكل هؤلاء يحرم الصدقة عليهم] ؟ قال : نعم .


ورواه أيضا عنه بلفظ : «إنما أنا بشر ، أوشك أن أدعى فأجيب ، ألا وإني تارك فيكم [ ص: 397 ] الثقلين ، أحدهما : كتاب الله ، حبل ممدود ، من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على الضلالة ، وأهل بيتي : أذكركم الله في أهل بيتي ، ثلاث مرات .

ورواه أيضا عنه بلفظ : «أنشدكم الله في أهل بيتي مرتين .

وروي عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- [لما نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا - وذلك في بيت أم سلمة- دعا فاطمة وحسنا وحسينا ، فجللهم بكساء ، وعلي خلف ظهره فجلله بكسائه ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا]

وقد تقدم في أبواب ما يجب على الأنام كثير من ذلك .

قال بعض العلماء : معرفتهم ، وهي معرفة بمكانهم من النبي- صلى الله عليه وسلم- ، وإذا عرفهم بذلك ، عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه .

وروى الترمذي وحسنه عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه- أن عمر- رضي الله تعالى عنه- فرض لأسامة في ثلاثة آلاف وخمسمائة ، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف ، فقال عبد الله لأبيه : لما فضلت أسامة علي ؟ فو الله ما سبقني إلى مشهد قال : لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أبيك ، وكان أسامة أحب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منك ، فآثرت حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على حبي .

وقال الأوزاعي : دخلت بنت أسامة على عمر بن عبد العزيز ، ومعها مولى لها يقودها يمسك بيدها ، فقام إليها عمر ومشى إليها ، وجعل يدها بين يديه ، ويداه في ثيابه ، وأجلسها في مجلسه ، وجلس بين يديها ، وما ترك لها حاجة إلا قضاها .

ومنها : أن يجتنب الزائر لمس جدار المسجد ، وتقبيله ، والطواف به ، والصلاة عليه .

قال الإمام النووي : لا يجوز أن يطاف بقبره- صلى الله عليه وسلم- ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار قبره ، قاله الحلبي وغيره .

قال : ويكره مسحه باليد وتقبيله ، بل الأدب أن يبعد عنه ، كما يبعد عنه لو حضر في حياته ، هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه ، ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء ، انتهى . [ ص: 398 ]

وفي «الإحياء» : مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود .

وقال الأقفهسي : قال الزعفراني - في كتابه : وضع اليد على القبر ومسه وتقبيله من البدع التي تنكر شرعا .

وروي أن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه- رأى رجلا وضع يده على قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- فنهاه ، وقال : وما كنا نعرف هذا» أي الدنو منه] وذكر غير واحد نحو ذلك ، وفي كتاب العلل والسؤالات لعبد الله ابن الإمام أحمد ، عن أبيه رواية أبي علي الصوان قال عبد الله : سألت أبي عن الرجل يمس منبر النبي- صلى الله عليه وسلم- ويتبرك بمسه ، ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك ، رجاء ثواب الله عز وجل قال : لا بأس .

وروى الإمام أحمد- بسند حسن- ، وأبو الحسن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله الخشني في «أخبار المدينة» عن داود بن أبي صالح قال : أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر ، فأخذ مروان برقبته ثم قال : هل تدري ما تصنع ؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب ، فقال : نعم ، إني لم آت الحجرات ، إنما جئت النبي- صلى الله عليه وسلم-

سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول : « لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله » .

قال المطلب : وذلك أبو أيوب الأنصاري ، وتقدم في باب أدلة الزيارة ، أن ابن عساكر روى بسند جيد أن بلالا - رضي الله تعالى عنه- لما قدم من الشام لزيارة النبي- صلى الله عليه وسلم- أتى القبر ، فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه .

وذكر الخطيب ابن جملة ، أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- كان يضع يده اليمنى على القبر الشريف ، وأن بلالا وضع خده عليه أيضا- رضي الله تعالى عنه- .

قال : ولا شك أن الاستغراق في المحبة يحمل على الإذن في ذلك ، والمقصود من ذلك كله الاحترام والتعظيم ، والناس يختلف مراتبهم في ذلك ، كما كانت تختلف في حياته ، فأناس حين يرونه لا يملكون أنفسهم ، بل يبادرون إليه ، وأناس فيهم أناة يتأخرون ، والكل محل خير .

وقال الحافظ : استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره .

فأما الآدمي فسبق في الأدب .

وأما غيره فنقل عن أحمد ، أنه سئل عن تقبيل منبر النبي- صلى الله عليه وسلم- وقبره فلم ير به بأسا ، واستبعد بعض أتباعه صحته عنه ، قلت : نقل ذلك عنه ابنه عبد الله كما تقدم . [ ص: 399 ]

ونقل عن ابن أبي الصيف اليمني أحد علماء مكة من الشافعية جواز تقبيل المصحف ، وأجزاء الحديث ، وقبور الصالحين . انتهى كلام الحافظ .

ونقل الطيب الناشري عن المحب الطبري ، أنه يجوز تقبيل الحجر ومسه ، قال : وعليه عمل العلماء الصالحين ، وينشد :


أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا     وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

ومنها اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم ، وهو من البدع ، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم ، وأقبح منه تقبيل الأرض ، لم يفعله السلف الصالح ، والخير كله في اتباعهم ، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته؛ لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم .

قال ابن جماعة : وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه ، بل عجبي ممن أفتى بتحسين ذلك مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث