الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب السابع في موضع قبره الشريف وصفته وصفة حجرته وبعض أخبارها

                                                                                                                                                                                                                              تقدم في أحاديث أبي بكر أنه أخر فراش رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحفر في موضعه .

                                                                                                                                                                                                                              وهو قوله :

                                                                                                                                                                                                                              فسمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول : «لا يدفن نبي إلا حيث قبض» .

                                                                                                                                                                                                                              وقد علم بالتواتر أنه- صلى الله عليه وسلم- دفن في حجرة عائشة - رضي الله تعالى عنها-[التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة ، ثم دفن بعده أبو بكر ، ثم عمر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد والحاكم عن عائشة - رضي الله تعالى عنها-] ومسدد- برجال ثقات- والحميدي والحاكم وصححه عن سعيد بن المسيب أن عائشة قالت لأبي بكر : رأيت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي ، فقال : يدفن في بيتك ثلاثة هم خير أهل الأرض ، فلما قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودفن ، قال أبو بكر : هذا خير أقمارك .

                                                                                                                                                                                                                              وروي عن أنس أن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قصت مناما رأته على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال لها : «إن صدقت رؤياك يدفن في بيتك ثلاث هم خير أهل الأرض» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : جعل قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسطوحا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى يحيى بن الحسن بن جعفر العلوي عن هارون بن سليمان قال : حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أن صفات القبور الثلاثة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة الحمراء .

                                                                                                                                                                                                                              ويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح والحاكم وصحح إسناده من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال : دخلت على عائشة فقلت : يا أماه ، اكشفي لي عن قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه ، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة ، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء .

                                                                                                                                                                                                                              زاد الحاكم : فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-[ وعمر رأسه عند رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم - . [ ص: 343 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن النجار في «تاريخ المدينة» أن امرأة سألت عائشة أن اكشفي لي عن قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم-] فكشفته فبكت حتى ماتت- رضي الله تعالى عنها- ورحمها .

                                                                                                                                                                                                                              وحكي عن أبي الفضل الحموي أحد خدام الحجرة النبوية أنه شاهد شخصا من الزوار ، وأتى باب مقصورة الحجرة الشريفة فطأطأ رأسه نحو العتبة ، فحركوه ، فإذا هو ميت ، وكان من حضر جنازته- رحمهما الله تعالى- .

                                                                                                                                                                                                                              وأما ما رواه البخاري في الصحيح عن سفيان التمار أنه رأى قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسنما . زاد أبو نعيم في «المستخرج» ، وقبر أبي بكر وعمر كذلك ، فلا يعارض ذلك أن سفيان ولد في زمان معاوية ، فلم ير القبر إلا في آخر الأمر ، فيحتمل كما قال البيهقي أن القبر لم يكن في أول الأمر مسنما ثم سنم لما سقط الجدار في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد ، صيروها مرتفعة ، فقد روى يحيى بن الحسن عن عبد الله بن الحسين قال :

                                                                                                                                                                                                                              رأيت قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسنما في زمن الوليد بن هشام .

                                                                                                                                                                                                                              وقد اختلف في صفة القبور الشريفة بالحجرة المنيفة على سبع كيفيات .

                                                                                                                                                                                                                              الأولى :

                                                                                                                                                                                                                              أن قبر النبي- صلى الله عليه وسلم-[أمامها] إلى القبلة مقدما بجدار القبلة ، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي النبي- صلى الله عليه وسلم- وقبر عمر حذو منكبي أبي بكر هكذا .

                                                                                                                                                                                                                              سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله عنه- عمر- رضي الله عنه- قال النووي : هذا هو المشهور وقال السيد السمهودي في «تاريخ المدينة» : إنه الذي عليه الأكثرون وإنها أشهر الروايات .

                                                                                                                                                                                                                              الثانية :

                                                                                                                                                                                                                              أن قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعمر رأسه عند رجلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو اليمن بن عساكر : وهذه صفته :

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- عمر- رضي الله تعالى عنه- [ ص: 344 ] أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه-

                                                                                                                                                                                                                              الثالثة :

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- قالت : رأس أبي بكر عند رجلي النبي- صلى الله عليه وسلم- وعمر خلف ظهر النبي- صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو اليمن بن عساكر وهذه صفته :

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه- قال السيد نور الدين السمهودي : ويردها ما في الصحيح من أن الذي بدت قدمه عند هدم الجدار إنما هو عمر؛ لأن الجدار المنهدم ، إنما هو الشرقي ، ولو صحت هذه الرواية لكان البادي قدم أبي بكر .

                                                                                                                                                                                                                              الرابعة :

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة ، ثنا محمد بن إسماعيل عن عمرو بن عثمان عن القاسم بن محمد ، فذكر مثل الحديث المذكور في الثالثة إلا أنه قال :

                                                                                                                                                                                                                              فإذا قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أمامها ورجلا أبي بكر عند رأس النبي- صلى الله عليه وسلم- ورأس عمر عند رجلي أبي بكر .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو اليمن : وهذه صفته :

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله تعالى عنه- عمر - رضي الله تعالى عنه-

                                                                                                                                                                                                                              الخامسة :

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو نعيم عن عثمان بن نسطاس قال : رأيت قبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعا نحوا من أربع أصابع عليه حصباء إلى الحمرة مائلة ، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- ورأيت قبر عمر أسفل منه وصوره لنا هكذا :

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه-

                                                                                                                                                                                                                              السادسة :

                                                                                                                                                                                                                              روي عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : خرجت في ليلة مطيرة إلى المسجد حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها قط فجئت إلى المسجد فبدأت بقبر النبي- صلى الله عليه وسلم- فإذا جداره قد انهدم فدخلت فسلمت على النبي- صلى الله عليه وسلم- ومكثت فيه مليا ، فإذا قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- وقبر أبي بكر عند رجليه وعليهم . [ ص: 345 ]

                                                                                                                                                                                                                              حصباء من حصباء العرصة ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو اليمن وهذه صفته :

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله تعالى عنه- عمر - رضي الله تعالى عنه-

                                                                                                                                                                                                                              السابعة :

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن زبالة عن المنكدر بن محمد عن أبيه قال : قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- هكذا ، وقبر أبي بكر خلفه ، وقبر عمر عند رجلي النبي- صلى الله عليه وسلم- .

                                                                                                                                                                                                                              النبي- صلى الله عليه وسلم- أبو بكر - رضي الله تعالى عنه- عمر- رضي الله تعالى عنه- وهذه الروايات ما عدا الأولى والثانية أسانيدها ضعيفة ، وأشهرها الأولى كما تقدم .

                                                                                                                                                                                                                              قال حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه- :


                                                                                                                                                                                                                              ثلاثة برزوا بسبقهم نصرهم ربهم إذا نشروا     عاشوا بلا فرقة حياتهم
                                                                                                                                                                                                                              واجتمعوا في الممات إذ قبروا     فليس من مسلم له بصر
                                                                                                                                                                                                                              ينكر فضلهم إذا ذكروا

                                                                                                                                                                                                                              وقال غيره :


                                                                                                                                                                                                                              ثلاثة أقبر جلت وعزت     حوت خير الورى مع صاحبيه
                                                                                                                                                                                                                              محمد المصطفى من قريش     وصديق له أثنى عليه
                                                                                                                                                                                                                              وثالثهم هو الفاروق حقا     فكل مدائحي تهدى إليه

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن زبالة عن المطلب- رضي الله تعالى عنه- قال : كانوا يأخذون من تراب القبر ، وأمرت عائشة بجداره فضرب عليهم ، وكان في الجدار كوة ، فكانوا يأخذون منها ، فأمرت بالكوة فسدت .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن مالك بن أنس قال : قسم مبيت عائشة باثنين : قسم كان فيه القبر ، وقسم كان فيه عائشة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عمر بن شبة عن أبي غسان قال : لم يزل بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي دفن فيه ظاهرا حتى بنى عمر بن عبد العزيز عليه الخطار المزور حين بنى المسجد في خلافة الوليد ، وإنما جعله مزورا كراهية أن يشبه تربيعه تربيع القبلة ، وأن يتخذ قبلة يصلى إليه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم أن البيت مربع مبني بحجارة سود وقصة [ ص: 346 ] والذي يلي القبلة من أطوله ، والشرقي والغربي سواء ، والشامي أنقصها ، وباب البيت مما يلي الشام مسدود بالحجارة السود ، والقصة ، ثم بنى عمر بن عبد العزيز هذا البناء الطاهر ، وزوره لئلا يتخذه الناس قبلة تخص بها الصلاة من بين المسجد قالوا : والبناء الذي حول بينه وبين البناء الظاهر اليوم مما يلي المشرق ذراعان ، ومما يلي المغرب ذراع ، ومما يلي القبلة شبر ، ومما يلي الشام فضاؤه كله ، وفي الفضاء الذي يلي الشام بركن مكسور ومكتل خشب ، يقال : إن البناء بين نسوة هناك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى يحيى بن الحسن الحسيني عن أبي غسان محمد بن يحيى قال : سمعت من يقول إن في الحظار الذي على قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- مركن وخشبة وجريدة مسندة .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن أبي الزناد : هو مركن تركه العمال هناك . قال أبو غسان : فأما أنا فإني اطلعت في الحظار ، فلم أر شيئا ، فزعم لي زاعم أنه قد رأى ثم مركنا أو شيئا موضوعا مع الركن ، وأما أنا فلم أره ، ولا أعلم أحدا يدري من أخذه ، ولم أر البيت الذي في الحظار .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية