الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( الخامس ) في ذكر بعض التفضيل بين المعلومات قال العز بن عبد السلام : الجواهر والأجسام كلها متساوية من جهة ذواتها ، وإنما يفضل بعضها على بعض بصفاتها وأعراضها وانتسابها إلى الأوصاف الشريفة في التفاضل النفيسة ، وأوصلها تلميذه القرافي في كتابه أنوار الفروق إلى عشرين قاعدة ، أولها تفضيل المعلوم على غيره بذاته دون سبب يعرض له يوجب التفضيل له على غيره وله مثل ، أحدها الواجب لذاته المستغني في وجوده عن غيره كذات الله تعالى وصفاته ، الثاني العلم حسن لذاته وهو أفضل من الظن للقطع بعدم الجهل معه وتجويز الجهل مع الظن ، وذلك لذات العلم لا لصفة قامت به ، كما أن الجهل نقيصة لذاته لا لصفة قامت به أوجبت نقصه ، بخلاف الجاهل والعالم ، نقص الجاهل لصفة قامت به وهي الجهل ، وفضل العالم بصفة قامت به وهي العلم ، الثالث الحياة أفضل من [ ص: 411 ] الموت لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك ، وسبب تفضيلها كونها تتأتى معها العلوم والقدرة والإرادات ، وغير ذلك من التصرفات وصفات الكمال كالنبوة والرسالة والولاية وغيرها ، وتعذر جميع ذلك مع الموت - يعني ابتداء ذلك وإن لم تنقطع هذه الأشياء بالموت ولا تفنى ولا تضمحل بل تدوم وتستمر - وتلك للحياة لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك .

( القاعدة ) الثانية التفضيل بالصفات الحقيقية القائمة بالمفضل كتفضيل العالم على الجاهل والفاعل المختار على الموجب بالذات بسبب الإرادة والاختيار القائم به ، وتفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة الوجودية القائمة به ، فهذا كله تفضيل بالصفات القائمة بالمفضل لذاته وبه خالف القاعدة الأولى .

( القاعدة ) الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى كتفضيل المؤمن على الكافر ، وتفضيل أهل الكتاب على عبدة الأوثان فأحل تعالى ذبائحهم وأباح تزويجنا من نسائهم دون عبدة الأوثان ، فإنه جعل ما ذبحوه كالميتة وتصرفهم فيه بالذكاة كتصرف الحيوان البهيم من السباع والكواسر في الأنعام لا أثر لذلك ، وجعل نساءهم كإناث الخيل والحمير محرمات الوطء ، كل ذلك اهتضام لهم لجحدهم الرسالة والرسل ، وكتفضيل الولي على آحاد المؤمنين المقصرين في الطاعة ، وقيل لاقتصارهم على أصل الدين الواجب وكثرة طاعة الولي ، وبذلك سمي وليا أي تولى الله بطاعته ، وقيل لأن الله تعالى تولاه بلطفه ، ولذلك أيضا تفاضل الأولياء بينهم بكثرة الطاعة فمن كان أكثر تقربا إلى الله تعالى كانت رتبته في الولاية أعظم ، وبتفضيل الشهيد على غيره من حيث الجملة ، لأنه أطاع الله تعالى ببذل نفسه وماله في نصرة دينه وأعظم بذلك طاعة ، وكتفضيل العلماء على الشهداء كما جاء في الحديث : " ما جميع الأعمال في الجهاد إلا كنقطة في بحر ، وما الجهاد وجميع الأعمال في طلب العلم إلا كنقطة في بحر " . وفي حديث آخر : " لو وزن مداد العلماء ودم الشهداء لرجح " . بسبب طاعة العلماء لله تعالى بضبط شرائعه وتعظيم شعائره التي [ ص: 412 ] من جملتها الجهاد وهداية العباد إلى الملك الجواد ، وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين ، ولولا سعيهم في ذلك من فضل الله تعالى لانقطع الجهاد ، وغيره ولم يبق على وجه الأرض من يقول " الله " ، وكل ذلك من نعم الله عليهم . قلت : هذا انتصار للقول بأفضلية العلم على الجهاد ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك - رضي الله عنهما - فعندهما العلم على تعلمه وتعليمه أفضل من الجهاد ، وهي رواية عن الإمام أحمد أيضا ، لأن العلم هو الدليل المرشد ، وقد قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل : ومما أنعم الله علي أن حبب إلي العلم ، فهو أسنى الأعمال وأشرفها . قال ابن مفلح في فروعه - واختاره أي القول بأن العلم أفضل الأعمال غيره من علمائنا - ولفظ الرواية : العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته ، قيل : فأي شيء تصحيح النية ؟ قال : ينوي أن يتواضع فيه وينفي عنه الجهل . نقله مهنا .

الرابعة التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل ، وله مثالات منها : الإيمان أفضل من جميع الأعمال بكثرة ثوابه ، فإن ثوابه الخلود في الجنان والخلوص من النيران ومن غضب الديان ، ومنها صلاة الجماعة ، فإنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة ، ومنها الصلاة في أحد المساجد الثلاثة ، ومنها صلاة القصر أفضل للمسافر من الإتمام وإن كان الإتمام أكثر عملا .

الخامسة التفضيل لشرف الموصوف ، منها صفات الله تعالى من علمه وكلامه وقدراته وإرادته وسائر الصفات المنسوبة إلى الله تعالى أفضل من غيرها لوجوه منها شرف الموصوف ، ومنها صفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كعلمه وكرمه وشجاعته وحلمه وجميع ما هو صفة لنفسه الكريمة له الشرف والفضل على صفاتنا من وجوه ، أحدها شرف الموصوف .

السادسة التفضيل بشرف المدلول ، وله أمثلة ، منها تفضيل الأذكار الدالة على ذات الباري وصفاته العلى وأسمائه الحسنى ، ومنها تفضيل الآيات المتعلقة بالله كـ ( قل هو الله أحد ) على الآيات المتعلقة بأبي لهب كـ ( تبت يدا أبي لهب ) [ ص: 413 ] ومنها الآيات الدالة على الوجوب والتحريم أفضل من الآيات الدالة على الإباحة والكراهة والندب ، لاشتمالها على الحث على أعلى رتب المصالح والزجر عن أعظم المفاسد .

السابعة التفضيل بشرف الدلالة لا بشرف المدلول كشرف الحروف الدالة على الأوصاف الدالة على كلام الله تعالى ، فإن ذلك أوجب شرفها على جميع الحروف لهذه الدلالة ، وأمر الشرع بتعظيمها فلا تمسك إلا على طهارة ، ويكفر من أهانها بالقاذورات وله وقع عظيم في الدين ، فلا يجوز إخراجها عن بلاد المسلمين إلى بلاد الكافرين خشية أن تنالها أيديهم . قلت : وهذا على حسب اعتقاده من أنها مخلوقة ، وليست هي من كلام رب العالمين ، والحق أن ما بين دفتي المصحف كلام رب العالمين وحبله المتين ، والله أعلم .

الثامنة التفضيل بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة ، فإن الحياة لا تتعلق بشيء بل لها موصوف فقط ، والعلم له موصوف ومتعلق فله مزية شرف بذلك ، وكذلك القدرة والإرادة والسمع بالأصوات والبصر بجميع الموجودات المبصرات .

التاسعة التفضيل بشرف المتعلق كتفضيل ( العلم ) المتعلق بذات الله وصفاته على غيره من العلوم ، وكتفضيل الفقه على الطب لتعلقه بأحكام الله تعالى ، وهذا القسم عين المدلول فكل مدلول متعلق وليس كل متعلق مدلولا ، لأن الدلالة والمدلول من باب الألفاظ والحقائق الدالة كالصنعة على الصانع فإنها تدل عليه ، وأما العلم ونحوه فلا يقال له دال بل هو مدلول في نفسه ، وليس بدليل على غيره بل له متعلق خاصة وهو معلومه ، وكذلك الإرادة المتعلقة بالخير أفضل من الإرادة المتعلقة بالشرور ، والنية في الصلاة أفضل من النية في الطهارة ، لأنها متعلقة بالمقاصد والثانية بالوسائل ، والمقاصد أفضل من الوسائل ، والمتعلق بالأفضل أفضل .

العاشرة التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله تعالى على قدرته وإرادته وسمعه وبصره ، لتعلقه بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات [ ص: 414 ] واختصاص الإرادة بالممكنات وجودا وعدما والقدرة بوجود الممكنات خاصة واختصاص السمع بالمسموعات على ما تقدم .

الحادية عشرة التفضيل بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود .

الثانية عشرة التفضيل بالحلول كتفضيل قبره - صلى الله عليه وسلم - على جميع بقاع الأرض ، وحكاه القاضي عياض إجماعا والمراد والأعضاء الشريفة فيه ، وفي بدائع الفوائد للمحقق ابن القيم قال ابن عقيل : سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الكعبة ؟ فقلت : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو - صلى الله عليه وسلم - فيها فلا والله ولا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح . انتهى .

الثالثة عشرة التفضيل بسبب الإضافة كقوله تعالى : ( أولئك حزب الله ) أضافهم إليه تعالى ليشرفهم بالإضافة إليه ، وإضافة البيت إليه تعالى وكذا الناقة ونحوها .

الرابعة عشرة التفضيل بالأنساب والأسباب كتفضيل ذريته على جميع الذراري ، بسبب نسبهم المتصل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكتفضيل نسائه على جميع النساء وإن تفاوتن في ذلك .

الخامسة عشرة التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد ، لأن العلم يثمر صلاح الخلق وهدايتهم إلى الحق بالتعليم والإرشاد ، وأما العبادة فقاصرة على محلها ، ومن هذا الوجه تفضيل الرسالة على النبوة .

السادسة عشرة التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون الحقيقتان لكل [ ص: 415 ] واحد منهما ثمرة إحداهما أعظم وجدواها أكثر كثمرة علم الفقه وعلم الهندسة ، فإن كلاهما مثمر أحكاما شرعية لأن الهندسة يستعان بها في الحساب والمساحات ، والحسابات تدخل في المواريث وغيرها والمساحات تدخل في الإجارات ونحوها من نوادر المسائل الفقهية ، إلا أنها بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة ، فثمرة الفقه أعظم وعلم النحو أفضل من علم المنطق ، وعلم الأصول أنفع من علم النحو وكل علم بحسب ثمرته ، والله أعلم .

السابعة عشرة التفضيل بالتأثير كقدرة الله تعالى على العلم والكلام بالنسبة للتأثير ، فإنها مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات والعلم تابع فمن حيث سعة المتعلق والعموم فالعلم أفضل ومن حيث التأثير فالقدرة ، والله أعلم ، وكذلك الإرادة بالنسبة إلى الحياة فإن الإرادة مؤثرة للتخصيص في الممكنات بزمانها وصفاتها الجائزة عليها والحياة لا تؤثر إيجادا ولا تخصيصا ، وليس في صفات الله السبعة التي تثبتها الصفاتية إلا القدرة والإرادة فقط .

الثامنة عشرة التفضيل بجودة البنية والتركيب كتفضيل الملائكة الكرام - عليهم السلام - على الجان بسبب جودة أبنيتهم وحسن تركيبهم ، فإنهم خلقوا من نور ، فجبريل يسير من العرش إلى الفرش مسيرة سبعة آلاف سنة لحظة واحدة ، ويحمل مدائن قوم لوط الخمسة من تحت الأرض على جناحيه ولا يضرب منها شيء ، بل يقتلعها من تحتها ويصعد بها إلى الجو ثم يقلبها وهذا عظيم ، والملك الواحد من الملائكة يقهر الجمع العظيم من الجان ، ولهذا سأل سليمان - عليه السلام - ربه أن يولي على الجان الملائكة ففعل له ذلك ، فهم الزاجرون عند العزائم وغيرها التي يتعاطاها أهل هذا العلم ، فيقسمون على الملائكة بتلك الأقسام التي تعظمها الملائكة فتفعل في الجان ما يريده المقسم عليهم بتلك الأسماء العظيمة . كذا زعم القرافي قال : وكانوا قبل زمن سليمان - عليه السلام - يخالطون الناس في الأسواق ويعبثون بهم عبثا شديدا ، فلما رتب سليمان - عليه السلام - هذا الترتيب وسأله من ربه انحازوا [ ص: 416 ] إلى الفلوات والخراب من الأرض فقلت : أذيتهم ، والملائكة - عليهم السلام - تراقبهم في ذلك فمن عبث منهم وعثا ردوه أو قتلوه كما يفعل ولاة بني آدم مع سفهائهم ، قال : وما سبب اقتدار الملائكة على الجان إلا فضل أبنيتهم ووفور قوتهم ، فهم المفضلون على الجان من هذا الوجه مضافا لبقية الوجوه ، ومن هذه الحيثية فضلت الملائكة على البشر .

فقال القرافي : فإن الصحيح أن البشر أفضل على تفصيل فيه ، فإذا ورد نص في تفضيل الملك حمل ذلك التفضيل والثناء على الأبنية وجودة التركيب إذا كان النص يحتمل ذلك ، فتندفع أكثر الأسئلة والنقوض عن المستدل على أفضلية الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - ولا نزاع أن الملائكة ( أفضل ) في أبنيتهم ، وأبنية بني آدم ضعيفة بالنسبة إلى أبنية الملائكة فتحمل نصوص التفضيل على ذلك ، وكذلك تفضيل الجان في الأبنية وجودة التركيب على بني آدم ، ومن ثم الجان يعيشون الآلاف من السنين ولا تعرض لهم الأمراض والأسقام التي تعرض لبني آدم ، بسبب أن أجسادهم ليست مشتملة على الرطوبات وأجرام الأغذية فلا يحصل لهم التعفن والآفات الناشئة عن الرطوبات ، ومن حيث جودة العنصر وحسن التركيب فضل الذهب على الفضة .

التاسعة عشرة التفضيل باختيار الله تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء ، فيفضل أحد المتساويين على الآخر من كل وجه كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع ، وكتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة . وقال ابن عبد السلام : الفضائل ضربان : أحدهما فضل الجمادات كفضل الجوهر على الذهب ، وفضل الذهب على الفضة ، وفضل الفضة على الحديد ، وفضل الأنوار على الظلمات ، وفضل الشفاف على غير الشفاف ، وفضل اللطيف على الكثيف ، والنير على المظلم ، والحسن على القبيح .

والضرب الثاني فضائل الحيوان وهي أقسام : أحدها حسن الصور ، ( الثاني ) قوة الأجسام كالقوى الجاذبة والممسكة والدافعة والغاذية والقوى على الجهاد والقتال وحمل الأعباء والأثقال ، ( والثالث ) الصفات الداعية إلى الخير والوازعة عن الشر كالغيرة والنخوة والحياء والشجاعة والسخاء والحلم ، ( الرابع ) العقول ، ( الخامس ) الحواس ، ( السادس ) العلوم المكتسبة وهي أقسام كمعرفة [ ص: 417 ] وجود الإله وصفاته الذاتية والسلبية والفعلية ، ومعرفة إرسال الرسل وإنزال الكتب وتنبئة الأنبياء ، ومعرفة ما شرع الله من الأحكام الخمسة وأسبابها وشروطها وموانعها ، ومعرفة الأحوال الناشئة مما ذكر من المعارف كالخوف والرجاء والمحبة والتوكل والتعظيم والإجلال والقيام بطاعة الله تعالى في كل ما أمر به ونهى عنه ، وما رتبه الله تعالى على هذه المعارف والأحوال والطاعات من لذات الآخرة وأفراحها بالنعيم الجثماني والروحاني كلذة الأمن من عذاب الله والأنس بقربه وجواره وسماع كلامه وسلامه ، مصحوبة بالرضا الدائم والنعيم المقيم والنظر إلى وجه الله الكريم مع الخلاص من العذاب الأليم .

فهذه فضائل بعضها من بعض فمن اتصف بأفضلها كان أفضل البرية ، ولا شك أن معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته ولذات رضاه والنظر إلى وجهه الكريم أفضل مما عداهن ، وأفضل الملائكة من قام به أفضل هذه الصفات فإن تساوى اثنان من الملائكة في ذلك لم يفضل أحدهما على الآخر ، وكذا إذا تساوى الملك والبشر في ذلك لم يفضل أحدهما عن الآخر ، فإن فضل الملك على البشر بشيء من ذلك كان أفضل منه ، وإن فضل البشر على الملك بشيء من ذلك كان أفضل منه ، والفضل منحصر في أوصاف الكمال ، والكمال إما بالمعارف والطاعات والأحوال ، وإما بالأفراح واللذات ، فإذا أحسن الله تعالى إلى أجساد الأنبياء بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وأحسن إلى أرواحهم بالمعارف الكاملة والأحوال المتوالية ، وأذاقهم لذة النظر إليه وسرور رضاه عنهم وكرامة تسليمه عليهم ، فأين للملك مثل هذا ؟

واعلم أن الأجساد مساكن الأرواح وللساكن والمسكن أحوال ، أحدها أن يكون الساكن أشرف من المسكن ، والثانية أن يكون المسكن أشرف من الساكن ، الثالثة أن يستويا في الشرف فلا يفضل أحدهما على الآخر ، فإذا كان الشرف للساكن فلا مبالاة بخساسة المسكن ، وإذا كان الشرف للمسكن فلا يشرف به الساكن - والأجساد مساكن الأرواح - ، ثم ذكر اختلاف الناس في التفضيل الواقع بين البشر والملك ، فقال : إن فاضل بينهما من جهة تفاوت الأجساد التي هي مساكن الأرواح ، فأجساد الملائكة أشرف وأفضل من أجساد البشر المركبة من الأخلاط ، وإن فاضل بين أرواح البشر وأرواح الملائكة [ ص: 418 ] مع قصر النظر عن الأجساد التي هي مساكن الأرواح ، فأرواح الأنبياء أفضل من أرواح الملائكة ، لأنهم فضلوا عليهم بالإرسال ورسل الملائكة قليل ، لأن رسول الملائكة يأتي إلى نبي واحد ورسول البشر يأتي إلى الأمم وإلى أمة واحدة ، فيهديهم الله تعالى على يديه فيكون له أجر تبليغه ومثل أجر من اهتدى على يديه وليس مثل هذا للملائكة ، وبالجهاد في سبيل الله وبالصبر على مصائب الدنيا ومحنها ، والله تعالى يحب الصابرين ، ولا عبرة بفضل أجساد الملائكة على أجساد الأنبياء ، لأن الأجساد مساكن ولا شرف بالمساكن ، وإنما الشرف بالأوصاف القائمة بالساكن فالاعتبار بالساكنين دون المساكن ، فإن الأنبياء قد سكنوا في بطون أمهاتهم مع القطع بأنهم أفضل من أمهاتهم ، فروح المسيح أفضل من جسد مريم ، وكذلك روح إبراهيم أفضل من جسد أمه ، وروح نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من جسد أمه .

فإذا تقرر هذا في أسباب التفضيل فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض ، فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها ، وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه كقوله - صلى الله عليه وسلم - أقضاكم علي ، وأفرضكم زيد ، وأقرؤكم أبي ، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأزهدكم أبو ذر - رضي الله عنهم - . مع أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أفضل من الجميع ، وكذلك الأنبياء فخص سليمان بالملك العظيم ، ونوح بالإنذار المئين من السنين ، وآدم أبا البشر مع تفضيل محمد - صلى الله عليه وعليهم أجمعين - فلولا جواز تخصيص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض ، فلا جرم علمنا أن التفاضل ما بين الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - إنما هو بالطاعات وكثرة المثوبات والأحوال السنيات وشرف النبوات والرسالات والدرجات العليات ، فكل من كان فيها أتم فهو أفضل ، وفيما ذكر من تعداد أسباب التفضيل الرد على المأمون بن هارون الرشيد الخليفة في زعمه أن أسباب التفضيل أربعة وكلها في علي - رضي الله عنه - أكمل منها في غيره فزعم أنه أفضل الصحابة وهي العلم والشجاعة والكرم وشرف النسب . وأخذ يرد على الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ويرد على أهل السنة فبطل بما ذكر دعوى هذا الحصر ، وكان المأمون هذا [ ص: 419 ] رافضيا معتزليا قدريا ، ومسائل التفضيل كثيرة بين الأنبياء والصحابة والملائكة ، والله تعالى أعلم . وقد بسطنا العبارة وذكرنا ما لعله يفيد المطلوب غير أن الإعراض عن كثير مما ذكر كان أليق بشرح هذه الأرجوزة ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث