الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( ونصبه بالنص والإجماع وقهره فحل عن الخداع ) )


( ( وشرطه الإسلام والحريه     عدالة سمع مع الدريه ) )


( ( وأن يكون من قريش عالما     مكلفا ذا خبرة وحاكما ) )



( ( و ) ) يثبت ( ( نصبه ) ) أي الإمام الأعظم ( ( بالنص ) ) من الإمام على استخلاف واحد من أهلها ، بأن يعهد الإمام إلى إنسان ينص عليه بعده ، ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد كما عهد أبو بكر الصديق بالخلافة إلى عمر الفاروق - رضي الله عنهما - ، ( ( و ) ) يثبت نصبه أيضا بـ ( ( الإجماع ) ) من أهل الحل والعقد من المسلمين كإمامة الصديق الأعظم أبي بكر - رضي الله عنه - خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا بايعه أهل الحل والعقد من العلماء ووجوه الناس الذين هم بصفة الشهود من العدالة وغيرها ثبتت إمامته ، وكذا في جعل الأمر شورى في عدد محصور ليتفق أهل البيعة على أحدهم ، فإذا اتفقوا على واحد منهم صار إماما [ ص: 423 ] كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث جعل أمر الإمامة بين ستة أنفار حتى وقع اتفاقهم على عثمان بن عفان - رضي الله عنه وعنهم أجمعين - ، ( ( و ) ) يثبت نصبه أيضا بـ ( ( قهره ) ) الناس بسيفه حتى يذعنوا له ويدعوه إماما فتثبت له الإمامة .

قال الإمام أحمد - رضي الله عنه - في رواية عبدوس بن مالك العطار : ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا انتهى . لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير - رضي الله عنهما - ، فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها ودعوه إماما ، ولما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم ، ولهذا قال : ( ( فحل ) ) أمر إرشاد أي ابعد وزل ومنه : ( لا يبغون عنها حولا ) ، ( ( عن الخداع ) ) متعلق بحل من خدعه كمنعه خدعا ويكسر ختله ، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم كاختدعه فانخدع والاسم الخديعة ، يعني اترك مخادع أهل البدع وتزويق ما يظهرون من جواز الخروج على الإمام وعن طاعته ، وزعمهم عدم وجوب نصبه ، فإنهم ضالون ومن وافقهم صار منهم .

ثم أخذ في ذكر شروط الإمام المنصوب وما يعتبر أن يكون فيه ومتصفا به على سبيل الوجوب ، ( ( وشرطه ) ) أي يشترط فيه ( ( الإسلام ) ) لأن غير المسلم لا يكون له على المسلمين سبيل ، ( ( والحرية ) ) لأن الرقيق بجميع أنواعه عليه الولاية فلا يكون واليا على غيره فضلا عن عامة المسلمين وخاصتهم ، وأما حديث : " اسمعوا له وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد أسود كأن رأسه زبيبة " محمول على نحو أمير سرية . وشرطه أي يشترط فيه أيضا ( ( عدالة ) ) لاشتراط ذلك في ولاية القضاء وهي دون الإمامة العظمى ، نعم إن قهر الناس غير عدل فهو إمام كما تقدم نص الإمام أحمد - رضي الله عنه - في مثل ذلك . ويعتبر فيه أيضا ( ( سمع ) ) أي أن يكون سميعا بصيرا ناطقا ، لأن غير المتصف بهذه الصفات لا يصلح لسياسة الخلق ، ( ( مع الدرية ) ) - بفتح الدال المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية فهاء تأنيث - من الدراية وهي العلم والخبرة ، يقال دريت الشيء ودريت به دريا ودريانا بالكسر ودريا كحبلى علمته أو بضرب من الحيلة كما في القاموس [ ص: 424 ] وأريد به اعتبار كونه عالما بالأحكام المتعلقة بالسياسة والحروب ، ذا بصيرة قد علم بأحوال الناس ومكرهم وختلهم وخبر أحوالهم ، لاحتياج الإمام إلى جميع ذلك بخلاف المغفل فلا يصلح للإمامة العظمى ، ( ( و ) ) يعتبر أيضا ( ( أن يكون ) ) الإمام ( ( من قريش ) ) وهو من كان من نسل فهر - بكسر الفاء وسكون الهاء - ابن مالك بن النضر - واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة - واسمه عمرو بن إلياس - واسمه حبيب بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، ففهر جماع قريش في قول الكلبي وغيره من العلماء في أنساب العرب ، وسموا قريشا لأنهم كانوا يقرشون عن خلة الناس - بفتح الخاء المعجمة - أي حاجتهم وفقرهم ، ومعناه ينقبون عنها ويستعملونها ليغنوهم ويسدوا خلتهم ، وكان ذلك من قولهم تقارشت الرماح إذا تداخلت في الحرب ، لأن المستعلم المستخبر يداخل أحوال الذي يطلب علم حاله ليحصل له مقصوده ، وقيل إنه مأخوذ من التقريش وهو التعييش ، لأنهم كانوا يعيشون الحاج فيطعمون الجائع ويكسون العاري ويحملون المنقطع ، قال الجوهري : القرش الكسب والجمع وقد قرش يقرش - بالكسر - قال الفراء : وبه سميت قريش . وقيل : سموا بذلك لدابة عظيمة تأكل الدواب في البحر وقيل غير ذلك .

وإنما اشترط كونه من قريش لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " الأئمة من قريش " . رواه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني من حديث أبي برزة - رضي الله عنه - ، وروى الترمذي نحوه من حديث أبى هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا ولفظه : " الملك في قريش " . وسنده صحيح . وروى الإمام أحمد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " الخلافة في قريش " . ورواه الطبراني أيضا ، وروى البزار من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الأمراء من قريش أبرارها أمراء أبرارها ، وفجارها أمراء فجارها " . وفي الحديث : " قدموا قريشا ولا تقدموها " . وقول الصديق والمهاجرين للأنصار : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم في ذلك الأخبار .

ويعتبر أن يكون ( ( عالما ) ) بالأحكام الشرعية لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه ، وأن يكون ( ( مكلفا ) ) أي بالغا عاقلا ، لأن غير البالغ العاقل يحتاج لمن يلي أمره ، فلا يكون واليا على أمر المسلمين [ ص: 425 ] وأن يكون ( ( ذا خبرة ) ) بتدبير الأمور المذكورة في البلاد والعباد ، ( ( و ) ) أن يكون ( ( حاكما ) ) أي يكون قادرا على إيصال الحق إلى مستحقه ، وكف ظلم المعتدي وقمع أهل الافتراء والاعتداء ، وقادرا على إقامة الحدود وقمع أهل الضلال والجحود ، لا تأخذه رأفة في إقامة الحدود والذب عن الأمة .

فإن عقدت لأكثر من واحد فهي للأول ، فإن فسق الإمام بعد العدالة المقارنة للعدل لم ينعزل على الأصح الأشهر ، ولا تشترط عصمته في حال من الأحوال ، ولا كونه أفضل الأمة ، ولا كونه هاشميا ، أو إظهار معجزة على يده يعلم به صدقه خلافا للرافضة ، وهذا من خرافاتهم وجهالاتهم . ومن جهالاتهم أيضا زعمهم أن غير المعصوم يسمى ظالما فيتناوله قول الله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) إذ الظالم لغة من يضع الشيء في غير محله وشرعا العاصي ، ولا يلزم من كونه غير معصوم أن يكون عاصيا ولا ظالما لجواز كونه محفوظا فلا يصدر عنه ذنب أو إذا صدر عنه ذنب تاب منه توبة نصوحا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث