الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خاتمة في تعدد الاعتراضات وترتيبها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( خاتمة ) في تعدد الاعتراضات وترتيبها وما في معنى ذلك ( ترد الأسئلة على قياس الدلالة إلا ما تعلق بمناسبة الجامع ) ; لأنه ليس بعلة فيه ( وكذا قياس في معنى الأصل ) ، ( ولا يرد عليه ) أيضا ( ما تعلق بنفس الجامع ) لعدم ذكره فيه . قال ذلك ابن مفلح وتبعه في التحرير ( ومنع ) بالبناء للمفعول عند الأكثر ( تعدد اعتراضات ) على المستدل ( مرتبة ) ; لأن في تعددها تسليما للمقدم ; لأن المعترض إذا طالبه بتأثير الوصف بعد أن منع وجود الوصف فقد نزل عن المنع وسلم وجود الوصف الذي هو المقدم ; لأنه لو أصر على منع وجود الوصف لما طالبه بتأثير الوصف ; لأن تأثير ما لا وجود له محال ، فلا يستحق المعترض غير جواب الأخير ، فيتعين الأخير للورود فقط ، ولهذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا ، والقاضي أبو الطيب : لو أورد النقض ثم منع وجود العلة : لم يقبل ، لتسليمه للمتقدم ، وعند الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والفخر إسماعيل والآمدي وابن الحاجب ومن وافقهم : لا يمنع التعدد في المرتبة ; لأن تسليم المتقدم تسليم تقديري ، إذ معناه : لو سلم وجود الوصف فلا نسلم تأثيره . والتسليم التقديري : لا ينافي المنع ، بخلاف التسليم تحقيقا . قال الهندي عن هذا القول : وهو الحق ، وعليه العمل في المصنفات ، وإذا كان كذلك فتترتب الأسئلة ، فيقدم الاستفسار ثم فساد الاعتبار ، ثم الوضع ، ثم ما تعلق بالأصل ، ثم العلة ، ثم الفرع .

ويقدم النقض على المعارضة ، وأوجب ابن المني ترتيب الأسئلة ، فاختار فساد الوضع ، ثم الاعتبار ، ثم الاستفسار ، ثم المنع ، [ ص: 576 ] ثم المطالبة ، وهو منع العلة في الأصل ، ثم الفرق ، ثم النقض ، ثم القول بالموجب ، ثم القلب ، ثم رد التقسيم إلى الاستفسار ، أو الفرق ، وإنما قدم الاستفسار : لأن من لا يعرف مدلول اللفظ لا يعرف ما يرد عليه . ثم فساد الاعتبار ; لأنه نظر في فساد القياس من حيث الجملة ، وهو قبل النظر في تفصيله . ثم فساد الوضع ; لأنه أخص من فساد الاعتبار ، والنظر في الأعم مقدم على النظر في الأخص .

ثم ما يتعلق بالأصل على ما يتعلق بالعلة ; لأن العلة مستنبطة من حكم الأصل ، ثم ما يتعلق بالعلة على ما يتعلق بالفرع ; لأن الفرع يتوقف على العلة ، ويقدم النقض على المعارضة ; لأن النقض يورد لإبطال العلة ، والمعارضة تورد لاستقلالها ، والعلة مقدمة على استقلالها ( و ) لا يمنع تعدد اعتراضات ( غير مرتبة ، ولو ) كانت ( من أجناس ) قال الطوفي : وترتيب الأسئلة - وهو جعل كل سؤال في رتبته على وجه لا يفضي بالتعرض إلى المنع بعد التسليم - أولى اتفاقا ; لأن المنع بعد التسليم قبيح ، فأقل أحواله : أن يكون التحرز منه أولى . فمنهم من أوجبه نفيا للقبح المذكور ، ونفي القبح واجب ، ومنهم من لم يوجبه ، نظرا إلى أن كل سؤال مستقل بنفسه ، وجوابه مرتبط به . فلا فرق إذا بين تقدمه وتأخره . ا هـ .

( و ) حيث جاز التعدد فإنه ( يكفي جواب آخرها ) قال ابن عقيل وابن المنى وجمهور الجدليين : إنه لا يطالبه بطرد دليل إلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالته فلا ينقضه من سلمه فلا يقبل المنع بعد التسليم . ا هـ . ويفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد ، لا الغلبة والاستزلال ، والواجب رد الجميع إلى ما دل عليه كتاب أو سنة ; وإلا فلهم من الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع ، كما للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي أوضاع ، وضابط المنع في الدليل عند أهل الجدل : إما أن يكون لمقدمة من مقدماته قبل التمام أو بعده .

والأول : إما أن يكون مجردا عن المستند ، أو مع المستند ، وهو المناقضة ، فهي منع مقدمة من الدليل ، سواء ذكر معها مستند ، أو لا . قال الجدليون : ومستند المنع هو ما يكون المنع مبنيا عليه ، نحو : لا نسلم كذا ، أو لم لا يكون كذا ، أو لا نسلم لزوم كذا ؟ وإنما يلزم هذا أن لو كان كذا ، ثم [ ص: 577 ] إن احتج لانتفاء المقدمة ، فيسمى عندهم الغصب ، أي غصب منصب التعليل ، وهو غير مسموع عند النظار ، لاستلزامه الخبط في البحث ، نعم يتوجه ذلك من المعترض بعد إقامة المستدل الدليل ، على تلك المقدمة .

وأما الثاني : وهو المنع بعد تمامه ، فإما أن يكون مع منع الدليل بناء على تخلف حكمه ، فيسمى النقض الإجمالي ; لأن النقض التفصيلي : هو تخلف الحكم عن الدليل للقدح في مقدمة معينة من مقدماته ، بخلاف الإجمالي ، فإنه تخلف الحكم عن الدليل بالقدح في مقدمة من مقدماته لا على التعيين ، وإما أن يكون مع تسليم الدليل والاستدلال بما ينافي ثبوت المدلول فهو المعارضة فهي تسليم للدليل فلا يسمع منه بعدها منع ، فضلا عن سؤال الاستفسار .

فيقول المعترض : ما ذكرت من الدليل - وإن دل على ما تدعيه - فعندي ما ينفيه ، أو يدل على نقيضه . ويبينه بطريقه . فهو ينقلب مستدلا ، فلهذا لم يقبله بعضهم ; لما فيه من انقلاب دست المناظرة ، إذ يصير المستدل معترضا ; والمعترض مستدلا ، لكن الصحيح القبول : لأن ذلك بناء بالعرض ، هدم بالذات ، فالمستدل مدع بالذات ، معترض بالعرض ، والمعترض بالعكس ، فصارا كالمتخالفين ، مثاله : المسح ركن في الوضوء ، فيسن تثليثه كالوجه ، فيعارضه بأنه مسح ، فلا يسن تثليثه ، كالمسح على الخفين ، نعم على المعلل دفع الاعتراض عنه بدليل ، ولا يكفيه المنع المجرد ، فإن ذكر دليله ومنع ثانيا ، فكما سبق ، وهكذا حتى ينتهي الأمر : إما إلى الإفحام ، أو الإلزام ، فالإفحام عندهم : انقطاع المستدل بالمنع أو بالمعارضة ، على ما يأتي بماذا يحصل الانقطاع . والإلزام : انتهاء دليل المستدل إلى مقدمات ضرورية أو يقينية مشهورة يلزم المعترض الاعتراف بها ، ولا يمكنه الجحد ، فينقطع بذلك ، فإذا الإلزام من المستدل للمعترض ، والإفحام من المعترض للمستدل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث