الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاستصحاب

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ويجوز تعبد نبي بشريعة نبي قبله عقلا ) ; لأنه ليس بمحال ، ولا يلزم منه محال ، وهذا على الصحيح ومنعه بعضهم لعدم الفائدة ، ورد بأن فائدته إحياؤها ولعل فيه مصلحة ( ولم يكن نبينا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( قبل البعثة على ما كان عليه قومه ) عند أئمة الإسلام . كما تواتر عنه ، قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه : من زعمه فقول سوء . انتهى . قال في نهاية المبتدئين : ولم يكن على دين قومه قبل البعثة ، بل ولد مسلما مؤمنا . قاله ابن عقيل وقيل : بل على دين قومه ، حكاه ابن حامد عن بعضهم ، وهو غريب بعيد . انتهى . قال في شرح التحرير : قلت الذي يقطع به : أن هذا القول خطأ . قال ابن عقيل : لم يكن قبل البعثة على دين سوى الإسلام ، ولا كان على دين قومه قط . بل ولد مؤمنا نبيا صالحا على ما كتبه الله تعالى وعلمه من حاله وخاتمته لا بدايته ( بل كان متعبدا صلى الله عليه وسلم بشرع من كان قبله مطلقا ) أي من غير تعيين أحد منهم بعينه ، وهذا الصحيح من المذهب ، اختاره الأكثر من أصحابنا ، وأومأ إليه أحمد وذكره القاضي عن الشافعية ; لأن كل واحد من النبيين قبله دعا إلى شرعه كل المكلفين ، والنبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم فتناوله عموم الدعوة ، وقيل : بل بشرع معين منهم فقيل : آدم أو نوح أو إبراهيم ، اختاره ابن عقيل والمجد والبغوي وابن كثير وجمع ، أو موسى أو عيسى . ومنعه الحنفية والمالكية والباقلاني وأبو الحسين ، وذكر بعض أصحابنا عن الأكثر : كونه متعبدا قبل البعثة بشرع مطلقا ; لاستحالته عقلا عند المعتزلة ; لما فيه من التنفير عنه ، وشرعا عند الباقلاني والرازي والآمدي إذ لو كان لنقل ، ولتداولته الألسنة .

[ ص: 592 ] واستدل من قال : إنه كان متعبدا بشريعة من قبله : بما في مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها { أنه كان يتحنث - أي يتعبد - في غار حراء } وفي البخاري أيضا { كان يتحنث بغار حراء } رد بأن معناه : التفكر والاعتبار ، ولم يثبت عنه عبادة صوم ونحوه ، ثم فعله من قبل نفسه تشبها بالأنبياء . رد بالمنع ( وتعبده ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( أيضا به ) أي بشرع من قبله ( بعدها ) أي بعد البعثة على الصحيح ( ف ) على هذا ( هو ) أي شرع من قبلنا ( شرع لنا ما لم ينسخ ) عند أكثر العلماء ( ومعناه في قول : أنه موافق ، لا متابع ) قال القاضي : من حيث صار شرعا لنبينا ، لا من حيث صار شرعا لمن قبله قال البرماوي : على معنى أنه موافق لا متابع وذكر القاضي أيضا وأبو محمد البغدادي : أنه شرع لم ينسخ ، فيعمنا لفظا ، وقال الشيخ تقي الدين : عقلا ، لتساوي الأحكام ، وهو الاعتبار المذكور في قصصهم فيعمنا حكما .

( ويعتبر في قول ) للقاضي وابن عقيل وغيرهما ( ثبوته قطعا ) قال القاضي : وإنما يثبت كونه شرعا لهم [ بدليل ] مقطوع به : إما بكتاب ، أو بخبر الصادق ، أو بنقل متواتر . فأما الرجوع إليهم ، أو إلى كتبهم : فلا ، وقد أومأ أحمد إلى هذا ، ومعناه لابن حمدان . فقال : كان هو وأمته متعبدين بشرع من تقدم بالوحي إليه في الكل أو البعض ، لا من كتبهم المبدلة ، ونقل أربابها ، ما لم ينسخ وقال الشيخ تقي الدين وغيره : ويثبت أيضا بأخبار الآحاد عن نبينا صلى الله عليه وسلم . وقيل : نقل عن أحمد نفي التعبد قبل البعثة ، وكون شرع من قبلنا شرعا لنا ، ووجه القول الأول : قوله تعالى { فبهداهم اقتده } رد ، أراد الهدى المشترك ، وهو التوحيد لاختلاف شرائعهم ، والعقل هاد إليه ، ثم أمر باتباعه بأمر مجدد لا بالاقتداء . أجيب : الشريعة من الهدى ، وقد أمر بالاقتداء ، وإنما يعمل بالناسخ ، كشريعة واحدة ، قال مجاهد لابن عباس " أأسجد ؟ في ص ؟ فقرأ هذه الآية ، وقال : نبيكم صلى الله عليه وسلم ممن أمر أن يقتدي بهم " رواه البخاري .

وأيضا قوله تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم } رد ، أراد التوحيد ; لأن الفروع ليست ملة ولهذا لم يبحث عنها [ ص: 593 ]

أجيب : الفروع من الملة تبعا ، كملة نبينا ; لأنها دينه عند عامة المفسرين . قال ابن الجوزي : هو الظاهر . وذكره البغوي عن الأصوليين . وقد أمرنا باتباعها مطلقا ، وكذا قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } وفي صحيح مسلم من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما { من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى قال : { وأقم الصلاة لذكري } وهو خطاب لموسى عليه الصلاة والسلام } . وسياقه وظاهره : أنه احتج به ; لأن أمته أمرت موسى . واستدل بتعبده به قبل بعثته ، والأصل بقاؤه وبالاتفاق على الاستدلال بقوله سبحانه وتعالى { النفس بالنفس } وبرجوعه صلى الله عليه وسلم إلى التوراة في الرجم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث