الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب أحكام المستدل وما يتعلق به

[ ص: 602 ] باب ) في بيان أحكام المستدل ، وما يتعلق به من بيان الاجتهاد والمجتهد والتقليد ، والمقلد ، ومسائل ذلك فنقول ( الاجتهاد ) افتعال من الجهد - بالضم والفتح - وهو الطاقة والاجتهاد ( لغة ) أي في اللغة ( استفراغ الوسع ) أي غاية ما يقدر على استفراغه ( لتحصيل أمر شاق ) . ( و ) معناه ( اصطلاحا : استفراغ الفقيه ) أي ذو الفقه وتقدم حد الفقيه ، وهو قيد مخرج للنبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه لا يسمى في العرف فقيها ، وللمقلد ( وسعه ) بحيث تحس النفس بالعجز عن زيادة استفراغه ( لدرك حكم ) يسوغ فيه الاجتهاد وهو الظني ( شرعي ) ليخرج العقلي والحسي ، ولم يقيده جماعة بذلك للاستغناء عنه بذكر الفقيه ; لأن الفقيه لا يتكلم إلا في الشرعي وقال الآمدي : هو استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس بالعجز عن المزيد عليه ( وشرط مجتهد : كونه فقيها ، وهو ) أي الفقيه في الاصطلاح ( العالم بأصول الفقه ) أي بأن يكون له قدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها ( وما يستمد منه ) أي من أصول الفقه ، ويتضمن ذلك : أن يكون عنده سجية وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق والترتيب ، والتصحيح والإفساد ، فإن ذلك ملاك صناعة الفقه ، قال الغزالي : إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ، ككلامه في مسألة سمعها ، فليس بفقيه ، والذي يستمد منه أصول الفقه : هو الكتاب والسنة وما تفرع عنهما .

( و ) أن يكون عالما ب ( الأدلة السمعية مفصلة ، واختلاف مراتبها ) وليس المراد : أن يعرف سائر آيات القرآن ، وجميع أحاديث السنة ، وإنما المراد : ما يحتاج إلى معرفته ( فمن الكتاب والسنة : ما يتعلق بالأحكام ) وقد ذكروا أن الآيات خمسمائة آية ، وكأنهم أرادوا ما هو مقصود به الأحكام بدلالة المطابقة أما بدلالة الالتزام : فغالب القرآن ، بل كله ; لأنه لا يخلو شيء منه عن حكم يستنبط منه ، وليس المراد بعلمه بذلك حفظه ، بل المراد أن يكون ( بحيث يمكنه استحضاره للاحتجاج به ، لا حفظه ) يعني أنه لا يشترط في المجتهد حفظ ما يتعلق [ ص: 603 ] بالأحكام من الكتاب ، حيث أمكنه استحضار ذلك عند إرادة الاحتجاج به ( و ) يشترط في المجتهد أيضا أن يكون عالما ب ( الناسخ والمنسوخ منهما ) أي من الكتاب والسنة ، مما يستدل به على تلك الواقعة التي يفتي فيها من آية أو حديث ، حتى لا يستدل به إن كان منسوخا ، ولا يشترط أن يعرف جميع الناسخ والمنسوخ في جميع المواضع ( و ) يشترط في المجتهد أيضا : أن يكون عالما ب ( صحة الحديث وضعفه ) سندا ومتنا ، ليطرح الضعيف حيث لا يكون في فضائل الأعمال ، ويطرح الموضوع مطلقا ، وأن يكون عالما بحال الرواة في القوة والضعف ، ليعلم ما ينجبر من الضعف بطريق آخر ( ولو ) كان علمه بذلك ( تقليدا كنقله ) ذلك ( من كتاب صحيح ) من كتب الحديث المنسوبة لأئمته كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والدارقطني والترمذي والحاكم وغيرهم ; لأنهم أهل المعرفة بذلك ، فجاز الأخذ بقولهم ، كما يؤخذ بقول المقومين في القيم .

( و ) يشترط فيه أيضا : أن يكون في علمه ( من النحو واللغة ما يكفيه فيما يتعلق بهما ) أي بالنحو واللغة في كتاب الله سبحانه وتعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ( من نص ، و ) من ( ظاهر ، و ) من ( مجمل ، ومبين ، و ) من ( حقيقة ومجاز ، و ) من ( أمر ، ونهي ، و ) من ( عام ، وخاص ، و ) من ( مستثنى ومستثنى منه ، و ) من ( مطلق ، ومقيد ، و ) من ( دليل الخطاب ونحوه ) كفحوى الخطاب ولحنه ومفهومه ; لأن بعض الأحكام تتعلق بذلك ، ووقف عليه توقفا ضروريا ، لقوله سبحانه وتعالى " والجروح قصاص " ; لأن الحكم يختلف برفع " الجروح " ونصبها ، ولأن من لا يعرف ذلك لا يتمكن من استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ; لأنهما في الذروة العليا من مراتب الإعجاز . فلا بد من معرفته أوضاع العرب ، بحيث يتمكن من حمل كتاب الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ما هو الراجح من أساليب العرب ومواقع كلامها ، ولو كان غيره من المرجوح جائزا في كلامهم .

( و ) يشترط فيه أيضا : أن يكون عالما ب ( المجمع عليه والمختلف فيه ) حتى لا يفتي بخلاف ما أجمع عليه ، فيكون قد خرق الإجماع [ ص: 604 ] ( و ) ب ( أسباب النزول ) قاله ابن حمدان وغيره من أصحابنا وغيرهم في الآيات ، وأسباب قوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث ; ليعرف المراد من ذلك وما يتعلق بهما من تخصيص أو تعميم .

( و ) أن يكون عالما ب ( معرفة الله تعالى بصفاته الواجبة وما يجوز عليه ) - سبحانه وتعالى - ( و ) ما ( يمتنع ) عليه بأن يعلم أن الله - سبحانه وتعالى - حكيم ، عليم ، غني قادر ، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم معصوم عن الخطإ فيما شرعه ، وأن إجماع الأمة معصوم ، ولا تصح معرفته بذلك من حال الباري - سبحانه وتعالى - إلا بعد معرفته بذاته وصفاته ، ولا تصح معرفته بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد معرفته بكونه نبيا ، ولا تصح معرفته بعصمة الأمة حتى يعلم أنه يستحيل اجتماعهم على خطإ ، قال في الواضح في صفة المفتي : وهو الذي يعرف بالأدلة العقلية النظرية حدوث العالم ، وأن له صانعا ، وأنه واحد ، وأنه على صفات واجبة له ، وأنه منزه عن صفات المحدثين ، وأنه يجوز عليه إرسال الرسل ، وأنه قد أرسل رسلا بأحكام شرعها ، وأن صدقهم بما جاءوا به ثبت بما أظهره على أيديهم من المعجزات . انتهى .

( و ) لا يشترط في المجتهد أن يكون عالما ب ( تفاريع الفقه ) ; لأن المجتهد هو الذي يولدها ويتصرف فيها ، فلو كان ذلك شرطا فيها للزم الدور ; لأنها نتيجة الاجتهاد فلا يكون الاجتهاد نتيجتها ( و ) لا ( علم الكلام ) أي علم أصول الدين ، قاله الأصوليون ، لكن الرافعي قال : إن الأصحاب عدوا من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد قال البرماوي : والجمع بين الكلامين ما أشار إليه الغزالي ، حيث قال : وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم ، ولا يشترط معرفتها على طريقة المتكلمين بأدلتهم التي يحررونها . انتهى .

( ولا ) يشترط فيه أيضا ( معرفة أكثر الفقه ) قال ابن مفلح : واعتبر بعض أصحابنا وبعض الشافعية : معرفة أكثر الفقه والأشهر : لا ; لأنه نتيجته . انتهى . إذا تقرر هذا فما سبق من الشروط : ففي المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع بما يؤديه إليه اجتهاده .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث