الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 606 ] ( فصل الاجتهاد يتجزأ ) عند أصحابنا والأكثر ، إذ لو لم يتجزأ لزم أن يكون المجتهد عالما بجميع الجزئيات ، وهو محال إذ جميعها لا يحيط به بشر ، ولا يلزم من العلم بجميع المآخذ : العلم بجميع الأحكام ; لأن بعض الأحكام قد يجهل بتعارض الأدلة فيه ، أو بالعجز عن المبالغة في النظر ، إما لمانع من تشويش فكر ، أو غيره وقيل : لا يتجزأ وقيل : يتجزأ في باب لا في مسألة وقيل : في الفرائض لا في غيرها ( ويجوز اجتهاده صلى الله عليه وسلم في أمر الدنيا ، ووقع ) قال ابن مفلح إجماعا ( و ) يجوز اجتهاده أيضا ( في أمر الشرع عقلا وشرعا ) عند أصحابنا والأكثر ، وعزاه الواحدي إلى سائر الأنبياء ، قال : ولا حجة للمانع في قوله تعالى { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } فإن القياس على المنصوص بالوحي : اتباع للوحي ، ومنعه الأكثر من الأشعرية والمعتزلة ، وقال القاضي : إنه ظاهر كلام أحمد في رواية ابنه عبد الله ( ووقع ) على الصحيح عند أكثر أصحابنا .

قال القاضي : أومأ إليه أحمد قال ابن بطة : وذكر عن أحمد نحوه ، واختاره الآمدي وابن الحاجب وهو مقتضى كلام الرازي وأتباعه في الاستدلال بالوقائع وغيرهم . وقيل : لم يقع . وقيل : بالوقف ، لتعارض الأدلة . واستدل للصحيح - الذي هو الجواز والوقوع - بأنه لا يلزم منه محال ، وبأن الأصل مشاركته لأمته ، وبظاهر قوله تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } وقوله تعالى { وشاورهم في الأمر } وطريق المشاورة : الاجتهاد ، وفي صحيح مسلم { أنه استشار في أسرى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وعمر بالقتل ، فجاء عمر من الغد ، وهما يبكيان ، وقال صلى الله عليه وسلم : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء } وأنزل الله سبحانه وتعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } وأيضا { عفا الله عنك لم أذنت لهم } قال في الفنون : هو من أعظم دليل الرسالة ، إذ لو كان من عنده لستر على نفسه ، أو صوبه لمصلحة يدعيها ، وفي الصحيحين { لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي } وإنما يكون ذلك فيما لم [ ص: 607 ] يوح إليه بشيء فيه ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء ، قال له الحباب بن المنذر " إن كان هذا بوحي فنعم ، وإن كان الرأي والمكيدة ، فانزل بالناس على الماء لتحول بينه وبين العدو فقال : ليس بوحي ، إنما هو رأي واجتهاد رأيته ، ورجع إلى قوله " وكذا إلى قول سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة لما أراد صلح الأحزاب على شطر نخل المدينة ، وقد كتب بعض الكتاب بذلك ، وقالا له " إن كان بوحي : فسمعا وطاعة ، وإن كان باجتهاد : فليس هذا هو الرأي " واستدل أيضا بغير ما ذكر ، فدل ذلك كله على أنه متعبد بالاجتهاد .

( و ) على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم ووقوعه منه ( لا يقر على خطإ ) إجماعا ، وهذا يدل على جواز الخطإ ، إلا أنه لا يقر عليه ، واختار هذا ابن الحاجب والآمدي ، ونقله عن أكثر أصحاب الشافعي والحنابلة . وأصحاب الحديث ، ومنع قوم جواز الخطإ عليه ، لعصمة منصب النبوة عن الخطإ في الاجتهاد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث