الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبعين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 265 ] 170

ثم دخلت سنة سبعين ومائة

ذكر ما جرى للهادي في خلع الرشيد

كان الهادي قد جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر ، وكان السبب في ذلك أن الهادي لما عزم على خلعه ذكره لقواده ، فأجابه إليه يزيد بن مزيد الشيباني ، وعبد الله بن مالك ، وعلي بن عيسى وغيرهم .

فخلعوا هارون ، وبايعوا لجعفر ، ووضعوا الشيعة ، فتكلموا في ذلك ، وتنقصوا بالرشيد في مجلس الجماعة ، وقالوا لا نرضى به ، وصعب أمرهم ، وأمر الهادي أن لا يسار بين يدي هارون بالحربة ، فاجتنبه الناس ، وتركوا السلام عليه .

وكان يحيى بن خالد بن برمك يتولى أمور الرشيد بأمر الهادي ، فقيل للهادي : ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده ، فبعث إليه ، وتهدده ، ورماه بالكفر ، ثم إنه استدعاه ليلة ، فخاف ، وأوصى ، وتحنط ، وحضر عنده فقال له : يا يحيى ! ما لي ولك ؟ قال : ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته ؟ ! .

قال : لم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي ؟ قال : من أنا حتى أدخل بينكما ؟ إنما صيرني المهدي معه ، ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره ، فانتهيت إلى أمرك . فسكن غضبه .

وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع ، فمنعه يحيى عنه . فلما أحضره الهادي ، وقال له في ذلك ، قال يحيى : يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم ، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده ، كان ذلك أوكد للبيعة ، قال : صدقت ، وسكت عنه .

فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد والشيعة ، فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع ، فأحضر يحيى وحبسه ، فكتب إليه : إن عندي نصيحة ، فأحضره ، فقال له : يا أمير [ ص: 266 ] المؤمنين أرأيت إن كان الأمر لا تبلغه ، ونسأل الله أن يقدمنا قبله ، يعني موت الهادي ، أتظن الناس يسلمون الخلافة لجعفر ، وهو لم يبلغ الحنث ، أو يرضون به لصلاتهم ، وحجهم ، وغزوهم ؟ ! قال : ما أظن ذلك .

قال : يا أمير المؤمنين ، أفنأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك ، مثل فلان ، ويطمع فيها غيرهم ، فتخرج من ولد أبيك ؟ والله لو أن هذا الأمر لم يعقده المهدي لأخيك ، لقد كان ينبغي أن تعقده أنت له ، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له ولكني أرى أن تقر الأمر على حاله ، فإذا بلغ جعفر أتيته بالرشيد ، فخلع نفسه له وبايعه . فقبل قوله ، وقال : نبهتني على أمر لم أتنبه له . وأطلقه .

ثم إن أولئك القواد عاودوا القول فيه ، فأرسل الهادي إلى الرشيد في ذلك ، وضيق عليه ، فقال له يحيى : استأذنه في الصيد ، فإذا خرجت فأبعد ، ودافع الأيام ففعل ذلك وأذن له ، فمضى إلى قصر بني مقاتل ، فأقام [ به ] أربعين يوما ، فأنكر الهادي أمره ، وخافه ، فكتب إليه بالعود ، فتعلل عليه ، فأظهر الهادي شتمه ، وبسط مواليه وقواده فيه ألسنتهم ، فلما طال الأمر عاد الرشيد .

وقد كان الهادي في أول خلافته جلس ، وعنده نفر من قواده ، وعنده الرشيد ، وهو ينظر إليه ، ثم قال له : يا هارون كأني بك وأنت تحدث نفسك بتمام الرؤيا ، ودون ذلك خرط القتاد .

فقال له هارون : يا موسى إنك إن تجبرت وضعت ، وإن تواضعت رفعت ، وإن ظلمت قتلت ، وإن أنصفت سلمت ، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي ، فأنصف من ظلمت ، وأصل من قطعت ، وأجعل أولادك أعلى من أولادي ، وأزوجهم بناتي ، وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي .

فقال له الهادي : ذلك الظن بك يا أبا جعفر ، ادن مني ، فدنا منه ، وقبل يده ، ثم أراد العود إلى مكانه ، فقال : لا والشيخ الجليل ، والملك النبيل ، أعني المنصور ، لا جلست إلا معي ، فأجلسه في صدر مجلسه ، ثم أمر أن يحمل إليه ألف ألف دينار ، وأن يحمل إليه نصف الخراج .

وقال لإبراهيم الحراني : اعرض عليه ما في الخزائن من مالنا ، [ ص: 267 ] وما أخذ من أهل بيت اللعنة ، يعني بني أمية ، فليأخذ منه ما أراد . ففعل ذلك . فقام عنه .

وسئل الرشيد عن الرؤيا ، فقال : قال المهدي : رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى وإلى هارون قضيبا ، فأورق من قضيب موسى أعلاه ، وأورق قضيب هارون من أوله إلى آخره ، فعبرت لهما أنهما يملكان معا ، فأما موسى فتقل أيامه ، وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة ، وتكون أيامه أحسن أيام ، ودهره أحسن دهر ، فكان كذلك .

وذكر أن الهادي خرج إلى حديثة الموصل ، فمرض بها ، واشتد مرضه ، وانصرف ، وكتب إلى جميع عماله شرقا وغربا بالقدوم عليه ، فلما ثقل أجمع القواد الذين كانوا بايعوا جعفرا ، وتوامروا في قتل يحيى بن خالد ، وقالوا : إن صار الأمر إليه قتلنا ، وعزموا على ذلك ، ثم قالوا : لعل الهادي يفيق ، فما عذرنا عنده ؟ فأمسكوا .

ولما اشتد مرض الهادي أرسلت الخيزران إلى يحيى تأمره بالاستعداد ، فأحضر يحيى كتابا فكتبوا الكتب من الرشيد إلى العمال بوفاة الهادي ، وأنه قد ولاهم ما كان ويكون فلما مات الهادي سيرت الكتب .

وقيل إن يحيى كان محبوسا . وكان الهادي قد عزم على قتله تلك الليلة ، وإن هرثمة بن أعين هو [ الذي ] أقعد الرشيد ، على ما سنذكره .

ولما مات الهادي قالت الخيزران : قد كنا نتحدث أنه يموت في هذه الليلة خليفة ، ويملك خليفة ، ويولد خليفة ، فمات الهادي ، وولي الرشيد ، وولد المأمون . وكانت الخيزران قد أخذت العلم من الأوزاعي ، وكان موت الهادي بعيساباذ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث