الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك

الثالث : سئل بعضهم كيف يراه الراؤن المتعددون في أقطار متباعدة ؟ فأنشدهم :


كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

وفي مناقب الشيخ تاج الدين بن عطاء الله عن بعض تلامذته قال : حججت ، فلما كنت في الطواف رأيت الشيخ تاج الدين في الطواف فنويت أن أسلم عليه إذا فرغ من طوافه ، فلما فرغ من الطواف جئت فلم أره ثم رأيته في عرفة كذلك وفي سائر المشاهد كذلك ، فلما رجعت إلى القاهرة سألت عن الشيخ فقيل لي : طيب ، فقلت : هل سافر ؟ قالوا : لا ، فجئت إلى الشيخ وسلمت عليه فقال لي : من رأيت ؟ فقلت : يا سيدي رأيتك ، فقال : يا فلان الرجل الكبير يملأ الكون لو دعي القطب من حجر لأجاب ، فإذا كان القطب يملأ الكون فسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - من باب أولى ، وقد تقدم عن الشيخ أبي العباس الطنجي أنه قال : وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

الرابع : قال قائل : يلزم على هذا أن تثبت الصحبة لمن رآه . والجواب : أن ذلك ليس بلازم ، أما إن قلنا : بأن المرئي المثال فواضح لأن الصحبة إنما تثبت برؤية ذاته الشريفة جسدا وروحا ، وإن قلنا : المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه وهو في عالم الملك ، وهذه رؤية وهو في عالم الملكوت ، وهذه الرؤية لا تثبت صحبته ، ويؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن جميع أمته عرضوا عليه فرآهم ورأوه ولم تثبت الصحبة للجميع لأنها رؤية في عالم الملكوت فلا تفيد صحبته .

خاتمة : أخرج أحمد في مسنده ، والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي العالية [ ص: 320 ] عن رجل من الأنصار قال : ( خرجت من أهلي أريد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه فظننت أن لهما حاجة ، قال الأنصاري : لقد قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جعلت أرثي له من طول القيام ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام ، قال : ولقد رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : أتدري من هو ؟ قلت : لا ، قال : ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، ثم قال : أما إنك لو سلمت رد عليك السلام ) .

وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن تميم بن سلمة قال : بينا أنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ انصرف من عنده رجل فنظرت إليه موليا معتما بعمامة قد أرسلها من ورائه قلت : يا رسول الله من هذا ؟ قال : ( هذا جبريل ) .

وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال : ( مررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه جبريل فسلمت عليه ومررت ، فلما رجعنا وانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هل رأيت الذي كان معي ؟ قلت : نعم ، قال : فإنه جبريل وقد رد عليك السلام ) .

وأخرج ابن سعد عن حارثة قال : رأيت جبريل من الدهر مرتين ، وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عباس قلت : كنت مع أبي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا فقال لي أبي : يا بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني ؟ قلت : يا أبت إنه كان عنده رجل يناجيه فرجع فقال : يا رسول الله قلت لعبد الله كذا وكذا فقال إنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد ؟ قال : وهل رأيته يا عبد الله ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك جبريل هو الذي يشغلني عنك .

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال : رأيت جبريل مرتين ، وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : ( عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا من الأنصار فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في الداخل فلما دخل لم ير أحدا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كنت تكلم ؟ قال : يا رسول الله دخل علي داخل ما رأيت رجلا قط بعدك أكرم مجلسا ولا أحسن حديثا منه ، قال : ذاك جبريل وإن منكم لرجالا لو أن أحدهم يقسم على الله لأبره ) وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف عن أبي جعفر قال : كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن حذيفة بن اليمان : ( أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول : اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره أهل أن تحمد إنك على كل [ ص: 321 ] شيء قدير ، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي ، واعصمني فيما بقي من عمري ، وارزقني عملا زاكيا ترضى به عني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ذاك ملك أتاك يعلمك تحميد ربك " . وأخرج محمد بن نصر عن أبي هريرة قال : بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول : اللهم لك الحمد كله ، قال : فذكر الحديث نحوه .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الذكر ، عن أنس بن مالك قال : " قال أبي بن كعب : لأدخلن المسجد ، فلأصلين ولأحمدن الله بمحامد لم يحمده بها أحد ، فلما صلى وجلس ليحمد الله ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول : اللهم لك الحمد كله ، ولك الملك كله ، وبيدك الخير كله ، وإليك يرجع الأمر كله ، علانيته وسره ، لك الحمد إنك على كل شيء قدير ، [ اللهم ] اغفر لي ما مضى من ذنوبي ، واعصمني فيما بقي من عمري ، وارزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني ، وتب علي ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه ، فقال : ذاك جبريل " .

وأخرج الطبراني والبيهقي ، عن محمد بن مسلمة قال : " مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا خده على خد رجل ، فلم أسلم ، ثم رجعت ، فقال لي : ما منعك أن تسلم ؟ قلت : يا رسول الله ، رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا ما فعلته بأحد من الناس ، فكرهت أن أقطع عليك حديثك ، فمن كان يا رسول الله ؟ قال : جبريل " .

وأخرج الحاكم عن عائشة قالت : " رأيت جبريل واقفا في حجرتي هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناجيه ، فقلت : يا رسول الله من هذا ؟ قال : بمن شبهته ؟ قلت : بدحية قال : لقد رأيت جبريل " .

وأخرج البيهقي عن حذيفة قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ، فتبعته ، فإذا عارض قد عرض له ، فقال لي : يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبلها ، استأذن ربه ، فسلم علي ، وبشرني بالحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة " .

وأخرج أحمد ، والبخاري تعليقا ، ومسلم ، والنسائي ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، كلاهما في دلائل النبوة ، عن أسيد بن حضير ، أنه بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده ، إذ جالت الفرس ، فسكت فسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فسكت فسكنت ، فرفع رأسه إلى السماء ، فإذا هي بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت تنظر الناس [ ص: 322 ] إليها لا تتوارى منهم .

وأخرج الواقدي وابن عساكر ، عن عبد الرحمن بن عوف قال : رأيت يوم بدر رجلين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما وعن يساره أحدهما ، يقاتلان أشد القتال ، ثم ثلثهما ثالث من خلفه ، ثم ربعهما رابع أمامه .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده ، وابن جرير في تفسيره ، وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة ، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه أنه قال بعد ما عمي : لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة ، لا أشك ولا أتمارى .

وأخرج البيهقي عن أبي بردة بن نيار قال : " جئت يوم بدر بثلاثة رءوس ، فوضعتهن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ، أما رأسان فقتلتهما ، وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض طويلا ضربه ، فأخذت رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك فلان من الملائكة " .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : كان الملك يتصور في صورة من تعرفون من الناس يثبتونهم ، فيقول : إني دنوت منهم فسمعتهم يقولون : لو حملوا علينا ما ثبتنا ، ليسوا بشيء ، فذلك قوله تعالى : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ) .

وأخرج أحمد ، وابن سعد ، وابن جرير ، وأبو نعيم في الدلائل ، عن ابن عباس قال : " كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو ، وكان أبو اليسر رجلا جموعا ، وكان العباس رجلا جسيما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا اليسر كيف أسرت العباس ؟ فقال : يا رسول الله ، لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم " .

وأخرج ابن سعد والبيهقي ، عن عمار بن أبي عمار : " أن حمزة بن عبد المطلب قال : يا رسول الله أرني جبريل في صورته ، قال : اقعد فقعد ، فنزل جبريل على خشبة كانت في الكعبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارفع طرفك [ فانظر ، فرفع طرفه ] فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر " .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور ، والطبراني في الأوسط ، عن ابن عمر قال : " بينا أنا أسير بجنبات بدر ، إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة فناداني ، يا عبد الله اسقني ، وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط ، فناداني يا عبد الله لا تسقه ; فإنه كافر ، ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال لي : أوقد رأيته ؟ قلت : نعم ، قال : ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة " .

[ ص: 323 ] محل الاستدلال رؤيته الرجل الذي خرج عقبه وضربه بالسوط ، فإنه الملك الموكل بتعذيبه ، وأخرج ابن أبي الدنيا ، والطبراني ، وابن عساكر ، من طريق عروة بن رويم ، عن العرباض بن سارية الصحابي رضي الله عنه ، أنه كان يحب أن يقبض ، فكان يدعو : اللهم كبرت سني ، ووهن عظمي ، فاقبضني إليك ، قال : فبينما أنا يوما في مسجد دمشق وأنا أصلي وأدعو أن أقبض ، إذا أنا بفتى شاب من أجمل الرجال ، وعليه رواح أخضر ، فقال : ما هذا الذي تدعو به ؟ قلت : وكيف أدعو ؟ قال : قل : اللهم حسن العمل ، وبلغ الأجل ، قلت : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا رتاييل الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين ، ثم التفت فلم أر أحدا .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه ، عن سعيد بن سنان قال : أتيت بيت المقدس أريد الصلاة ، فدخلت المسجد ، فبينما أنا على ذلك ، إذ سمعت حفيفا له جناحان قد أقبل وهو يقول : سبحان الدائم القائم ، سبحان الحي القيوم ، سبحان الملك القدوس ، سبحان رب الملائكة والروح ، سبحان الله وبحمده ، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ، ثم أقبل حفيف يتلوه يقول مثل ذلك ، ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد ، فإذا بعضهم قريب مني فقال : آدمي ؟ قلت : نعم ، قال : لا روع عليك ، هذه الملائكة .

تذنيب : ومما يمكن أن يدخل هنا ما أخرجه أبو داود من طريق أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، أن عبد الله بن زيد قال : يا رسول الله ، إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت ، فأراني الأذان ، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما . وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين ، أن عبد الله بن زيد قال : لولا اتهامي لنفسي لقلت : إني لم أكن نائما ، وفي سنن أبي داود من طريق ابن أبي ليلى : جاء رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين ، فأذن ثم قعد قعدة ، ثم قام فقال مثلها ، إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس لقلت : إني كنت يقظانا غير نائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أراك الله خيرا .

فقال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود : قوله : " إني لبين نائم ويقظان " مشكل ; لأن الحال لا يخلو عن نوم أو يقظة ، فكان مراده أن نومه كان خفيفا قريبا من اليقظة ، فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم واليقظة . قلت : أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ، ويسمعون ما يسمعون ، والصحابة رضي [ ص: 324 ] الله عنهم هم رءوس أرباب الأحوال . وقد ورد في عدة أحاديث أن أبا بكر وعمر وبلالا رأوا مثل ما رأى عبد الله بن زيد . وذكر إمام الحرمين في النهاية ، والغزالي في البسيط ، أن بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأى مثل ذلك . وفي الحديث [ أن ] الذي نادى بالأذان فسمعه عمر وبلال جبريل أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ، ويشبه هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه ، عن محمد بن المنكدر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فرآه ثقيلا ، فخرج من عنده ، فدخل على عائشة ليخبرها بوجع أبي بكر ، إذ دخل أبو بكر يستأذن ، فدخل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب لما عجل الله له من العافية ، فقال : ما هو إلا أن خرجت من عندي فغفوت ، فأتاني جبريل عليه السلام ، فسطعني سطعة ، فقمت وقد برأت . فلعل هذه غفوة حال لا غفوة نوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث