الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            فائدة نختم بها الكتاب : قال النووي في شرح المهذب : فرع عن خارجة بن زيد بن ثابت آخر فقهاء المدينة السبعة قال : بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده سبعين ذراعا في ستين ذراعا أو يزيد ، قال أهل السير : جعل عثمان بن عفان طول المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره ثمانين ، زاد فيه المهدي مائة ذراع من جهة الشام فقط مائة وخمسين ، وجعل أبوابه ستة ، كما كانت في زمن عمر ، وزاد فيه الوليد بن عبد الملك فجعل طوله مائتي ذراع ، وعرضه دون الجهات الثلاث ، هذا ما في شرح المهذب ، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن الزهري ، قال : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع المسجد وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربد السهل وسهيل - غلامين يتيمين من الأنصار - وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما ، فابتاعه بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع ، وأمر باللبن فضرب ، وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبشت ، وأمر العظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستحل فسيروه حتى ذهب وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع ، ويقال : كان أقل من المائة وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ، ثم بنوه باللبن وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ، ويقول :


            اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره

            وجعل يقول :


            هذا الحمال لا حمال خيبر     هذا أبرر بنا وأطهر

            [ ص: 34 ] وجعل له ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، وبابا يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار بسطه وعمده الجذوع وسقفه جريدا ، فقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : عريش كعريش موسى خشيبات وتمام الشأن أعجل من ذلك ، وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد ، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد ، وجعل سودة في البيت الآخر ، الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان ، وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن مجمع بن يزيد قال : بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد مرتين ، بناه حين قدم أقل من مائة في مائة فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاد فيه مثله في الدور وضرب الحجرات ما بينه وبين القبلة ، وأخرج أيضا عن أنس قال : بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما بناه بالجريد ، وإنما بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين .

            وأخرج البخاري عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشبا ، ثم غيرهعثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة ، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج .

            وقال الأقفهسي في تاريخ المدينة : قيل كان عرض الجدار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنة ثم إن المسلمين لما كثروا بنوه لبنة ونصفا ، ثم قالوا يا رسول الله لو أمرت لزدنا ، فقال : نعم فزادوا فيه ، وبنوا جداره لبنتين مختلفتين ، ولم يكن له سطح فشكوا الحر ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيم له سوار من جذوع ، ثم طرحت عليها العوارض والحصر والإذخر ، فأصابتهم الأمطار فجعل يكف عليهم ، فقالوا : يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين ، فقال : عريش كعريش موسى ، والأمر أعجل من ذلك . ولما زاد فيه عمر جعل طوله مائة وأربعين ذراعا وعرضه مائة وعشرين ذراعا ، وبدل أساطينه بأخر من جذوع النخل ، وسقفه بجريد ، وجعل طول السقف أحد عشر ذراعا ، وفرشه بالحصى ، ولما زاد فيه عثمان - وذلك في ربيع الأول سنة تسع وعشرين - جعل طوله مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين ذراعا وجعل أبوابه ستة . ولما زاد فيه عمر بن عبد العزيز وذلك بأمر الوليد بن [ ص: 35 ] عبد الملك - وكان عامله على المدينة - جعل طوله ما تقدم عن شرح المهذب ، وجعل على كل ركن من أركانه الأربعة منارة للأذان ، وجعل له عشرين بابا وبنى على الحجرة الشريفة حائطا ، ولم يلصقه بجدار الحجرة ولا بالسقف ، وطوله مقدار نصف قامة بالآجر ، فلما حج سليمان بن عبد الملك هدم المنارة التي هي قبل المسجد من الغرب ; لأنها كانت مطلة على دار مروان فأذن المؤذن ، فأطل على سليمان ، وهو في الدار فأمر بهدمها ، ثم زاد فيه المهدي سنة إحدى وستين ومائة ، ولم يزد بعده أحد شيئا ، ثم عمر الخليفة الناصر سنة ست وسبعين وخمسمائة في صحنه قبة لحفظ حواصل الحرم وذخائره ، ثم احترق المسجد الشريف بالنار التي خرجت من الحرة في ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة ، فكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم فأرسل الصناع والآلات مع حجاج العراق سنة خمس وخمسين وستمائة ، فسقفوا في هذه السنة الحجرة الشريفة وما حولها إلى الحائط القبلي والشرقي إلى باب جبريل ، وسقفوا الروضة الشريفة إلى المنبر ، ثم قتل الخليفة سنة ست وخمسين واستولى التتار على بغداد ، فوصلت الآلات من صاحب اليمن الملك المظفر يوسف بن عمر بن رسول ، فعمل إلى باب السلام ، ثم عمل من باب السلام إلى باب الرحمة من سنة ثمان وخمسين من جهة صاحب مصر الملك المظفر قطز المعزي ، ثم انتقل الملك آخر هذه السنة إلى الملك الظاهر بيبرس الصالحي ، فعمل في أيامه باقي المسجد وجعلت الأبواب أربعة ، ثم لما حج سنة سبع وستين أراد أن يدير على الحجرة الشريفة داربزينا من خشب ، فقاس ما حولها بيده ، وأرسله سنة ثمان وستين وعمل له ثلاثة أبواب وطوله نحو مائتين ، ثم في سنة ثمان وسبعين في أيام الملك المنصور قلاوون عملت القبة على الحجرة الشريفة ، ثم في سنة أربع وتسعين في أيام الملك العادل كتبغا زيد في الداربزين الذي على الحجرة حتى وصل بسقف المسجد الشريف ، ثم في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة إحدى وسبعمائة جدد سقف الرواق الذي فيه الروضة الشريفة ، ثم جدد السقف الشرقي والغربي في سنة خمس وسبعمائة ، ثم أمر بعمارة المنارة الرابعة مكان التي هدمها سليمان بن عبد الملك فعمرت سنة ست وسبعمائة ، ثم أمر بإنشاء الرواقين في صحن المسجد من جهة القبلة في سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، ثم في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون جددت القبة التي على الحجرة الشريفة ، ثم أحكمت في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون سنة خمس وستين وسبعمائة بأن سمر عليها ألواحا من [ ص: 36 ] خشب ومن فوقها ألواح الرصاص ، ثم في أيام سلطان العصر الملك الأشرف قايتباي في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة عمر قبة أخرى وأشياء في المسجد ، ثم أعقب ذلك نزول صاعقة من السماء فأحرقت المسجد بأسره ، وذلك في ليلة ثالث عشر رمضان سنة ست وثمانين ، فأرسل السلطان الصناع والآلات سنة سبع وثمانين وعليهم الخواجا شمس الدين بن الزمن ، فهدم الحائط القبلية ، وأراد أن يبني بجوار المسجد مدرسة باسم السلطان ويجعل الحائط مشتركا بين المسجد والمدرسة ، ويفتح فيه بابا يدخل منه إلى المسجد ، وشبابيك مطلة عليه ، فمنعه جماعة من أهل المدينة ، فأرسل يطلب مرسوما من السلطان بذلك فبلغه منع أهل المدينة ، فقال : استفتوا العلماء ، فأفتاه القضاة الأربعة وجماعة بالجواز ، وامتنع آخرون من ذلك ، وجاءني المستفتي يوم الأحد رابع عشري رجب من السنة المذكورة فجمعت الأحاديث المصدر بها ، وأرسلتها لقاضي القضاة الشافعي ، فذكر أنه يرى اختصاصها بالجدار النبوي وقد أزيل ، وهذا الجدار ملك السلطان يفتح فيه ما شاء ، ولا يصير وقفا إلا بوقفه ، فذكرت الجواب عن ذلك من تسعة وعشرين وجها ، وألحقتها بالأحاديث مع ما ذكر معها وأفردتها تأليفا ، ورأيت ليلة الثلاثاء سادس عشري رجب في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وهو في همة وأنا واقف بين يديه فأرسلني لا أدري إلى عمر أو غيره ، ولا أدري هل أرسلني إليه لأدعوه أو لأبلغه رسالة ، ولم أضبط من المنام إلا هذا القدر ، فاستيقظت وأنا أرجو أن لا يتم لهم ما أرادوه ، ثم برز مرسوم السلطان بالفتح حسبما أفتاه من أفتاه ، وسافر القاصد بذلك في أواخر رجب وأرسل إلى رجلان من كبار أرباب الأحوال يخبراني أن هذا الأمر لا يتم ففي رمضان جاء الخبر بأن ذلك قد رجع عنه ، وعدلوا إلى الفتح من الجهة الغربية ، وأفتى بعض الحنفية بجواز ذلك لأن دار أبي بكر رضي الله عنه كانت من تلك الجهة ، وكان له باب مفتوح فيفتح نظيره فوجب النظر في ذلك .

            فأقول : قد ثبت في الأحاديث السابقة وقرر العلماء أن أبا بكر رضي الله عنه لم يؤذن له في فتح الباب بل أمر بسد بابه ، وإنما أذن له في خوخة صغيرة وهي المرادة في حديث البخاري ، فلا يجوز الآن فتح باب كبير قطعا ، وليس لأحد أن يقول إن المعنى الاستطراق فيستوي الباب والخوخة في الجواز ، لأن النص من الشارع صلى الله عليه وسلم على التفرقة حيث أمر بسد بابه وأبقى خوخته يمنع من التسوية والإلحاق ، وأما جواز فتح الخوخة الآن فأقول : لو بقيت دار أبي بكر واتفق هدمها وإعادتها أعيدت بتلك الخوخة ، كما كانت بلا مرية ، وكان يجب مع ذلك أن يعاد مثل تلك الخوخة قدرا [ ص: 37 ] ومحلا ، فلا تجوز الزيادة فيها بالتوسعة ، ولا جعلها في موضع آخر من الحائط اقتصارا على ما ورد الإذن من الشارع الواقف فيه ، لكن دار أبي بكر هدمت وأدخلت في المسجد زمن عثمان ، وهل يجوز أن يبنى بإزائها دار يفتح منها خوخة نظير ذلك ؟ فيه نظر وتوقف فيحتمل المنع وهو الأقرب ; لأن تلك خصيصة كانت لأبي بكر فلا تتعدى داره ، ويحتمل الجواز لأمرين :

            أحدهما : أن حق المرور قد ثبت من هذه البقعة التي بإزاء دار أبي بكر إلى المسجد بواسطة دار أبي بكر فيستمر .

            والثاني : لا أبديه خوفا أن يتمسك به المتوسعون .

            وعلى الاحتمال فإنما يجوز بشرطين يتعذر الآن وجودهما أن يكون الذي يفتح بقدر تلك الخوخة لا أوسع منه ، وأن يكون على سمتها لا في محل آخر ، والأمران لا يمكن الوقوف عليهما الآن للجهل بمقدار تلك الخوخة ومحلها ، وإذا لم يتحقق وجود الشرط امتنع المشروط ، فتلخص من ذلك القطع بالمنع من الخوخة ومن الشبابيك أيضا ، وبتحقق وجود الشرطين يجاب عن الأمر الثاني الذي رمزت إليه ، ولم أبده إن عثر عليه عاثر ، هذا ما عندي في ذلك .

            خاتمة : وأما كسوة الحجرة الشريفة ، فأول من كساها ابن أبي الهيجاء وزير ملك مصر ، بعد أن استأذن الخليفة المستضيء فكساها ديباجا أبيض ، ثم بعد سنتين أرسل الخليفة المستضيء كسوة ديباجا بنفسجيا ، ثم أرسل الخليفة الناصر لما ولي كسوة من الديباج الأسود ، ثم لما حجت أم الخليفة وعادت أرسلت كسوة كذلك ، ثم صارت ترسل الكسوة من جهة مصر كل سبع سنين من الديباج الأسود . ذكر ذلك الأقفهسي .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية