الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            الوجه الخامس عشر : قال قائل في حديث البخاري : إنه يقال له عقب السؤال نم صالحا ، فدل على أنه لا شيء بعده . والجواب أن هذا كلام من لم يتسع نظره في الحديث ، ولا اطلع على مصطلحات العلماء المتكلمين على الأحاديث ، حيث يجمعون طرق الأحاديث كلها ورواياته ، ويضمون بعضها إلى بعض ، ويأخذون من كل حديث ما فيه من فائدة زائدة ، ويقولون فيما خلا من تلك الزيادة : هذا حديث مختصر ورد في غيره زيادة عليه ، والحديث الذي في البخاري لفظه عن أسماء بنت أبي بكر ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ، فيقال : ما علمك بهذا الرجل ، فأما المؤمن أو الموقن فيقول : هو محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات والهدى ، فأجبنا واتبعنا ، فيقال : نم صالحا ، قد علمنا إن كنت لمؤمنا ، وأما المنافق أو المرتاب فيقول : ما أدري ! سمعت الناس يقولون شيئا فقلته . هذا لفظ البخاري من غير زيادة عليه ، وهو أخصر حديث ورد في السؤال .

            وقد ورد سواه أحاديث مطولة صحيحة فيها زيادات كثيرة اعتمدها الناس ، ولا يسعهم إلا اعتمادها ، فإن أخذ هذا الرجل بهذا الحديث فقط وترك ما سواه لزمه رد ما ثبت في الأحاديث الصحيحة ، ولا يقع في ذلك عاقل ، من ذلك أنه لم يذكر في هذا الحديث السؤال عن ربه ودينه ، وهو ثابت في غيره ، وأن المؤمن يقول في الجواب : ربي الله وديني الإسلام ، ومن ذلك أنه لم يسم فيه الملكان بمنكر ونكير ، وهو ثابت في حديث الترمذي ، وقد أطبق أهل السنة على اعتباره ، ولم يخالف فيه إلا المعتزلة ، فقالوا : لا يجوز أن تسمى الملائكة بمنكر ونكير ، ولم يلتفت أهل السنة إلى قولهم اعتمادا على ما جاء في بعض طرق الحديث ، إلى غير ذلك من الزيادات الواقعة في أحاديث السؤال على كثرتها ، فإنها أكثر من سبعين حديثا ما من حديث منها إلا وفيه زيادة ليست في غيره ، فمن لم يقف إلا على حديث واحد من سبعين حديثا حقه أن يسكت مع الساكتين ، ولا يقدم على رد الأحاديث وإلغائها ، وتأويل حديث البخاري أنه يقال له : نم صالحا .. عند آخر جواب يجيب به في آخر يوم يسأل فيه ، وذلك من المحذوفات المطوي ذكرها في الحديث كسائر ما حذف منه ، وما أحسن ما وقع للحافظ أبي عمر بن عبد البر [ ص: 234 ] حيث تكلم على الحديث في " الموطأ " وغيره ، أن جبريل لم يصل في وقت فرض الصلاة بالنبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس إلا مرة واحدة ، فقال : والجواب عن ذلك أنه قد ثبت إمامة جبريل لوقتين : ما بين هذين وقت ، وهذه زيادة يجب قبولها والعمل بها لنقل العدول لها ، وليس ترك الإتيان بحجة ، وإنما الحجة في شهادة من شهد لا في رواية من أجمل واختصر . انتهى كلام ابن عبد البر .

            ووقع له أيضا أنه تكلم على حديث ، ثم روى من طرق مرسلة زيادة عليه ، ثم قال : ومراسيل مثل هؤلاء عند مالك حجة ، وهو خلاف ظاهر حديث " الموطأ " ، وحديث هؤلاء بالصواب أولى ؛ لأنهم زادوا وأوضحوا وفسروا ما أجمله غيرهم وأهمله - هذه عبارته .

            وقال القرطبي في " شرح مسلم " في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صومه وقيامه : هذا الحديث اشتهر وكثرت رواته ، فكثر اختلافه حتى ظن من لا بصيرة عنده أنه مضطرب ، وليس كذلك ، فإنه إذا تتبع اختلافه وضم بعضه إلى بعض ، انتظمت صورته ، وتناسب مساقه ، إذ ليس فيه اختلاف تناقض ولا تهاتر ، بل يرجع اختلافه إلى أن بعضهم ذكر ما سكت عنه غيره ، وفصل بعض ما أجمله غيره ، انتهى .

            ولا شك في أنه لا منافاة بين حديث السبعة وحديث البخاري ، فإنه يجمع بينهما بأن معنى حديث البخاري : قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور ، فيقال : ما علمك .. إلى آخره - أن ذلك يقع في سبعة أيام ؛ لأنه لفظ مطلق صادق بالمرة وبأكثر ، فإذا روى الثقة أن ذلك يقع سبعا وجب قبوله وحمل آخر الحديث - وهو قوله : نم صالحا - على أن ذلك يقع عند انتهاء الفتنة ، وذلك بآخر يوم منها .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية