الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طريق معرفة اللغة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

انتهى . ( ولا مناسبة ) أي لا يلتفت اعتبار وجود مناسبة ( ذاتية ) أي طبيعية ( بين لفظ ومدلوله ) أي مدلول ذلك اللفظ ، لما تقدم من المشترك الموضوع للشيء [ ص: 93 ] وضده ، كالقرء والجون ونحوهما ولاختلاف الاسم مع اتحاد المسمى ، وإنما اختص كل اسم بمعنى بإرادة الفاعل المختار وخالف في ذلك عباد بن سليمان المعتزلي الصيمري بفتح الصاد والميم .

( ويجب حمل ) ( اللفظ ) إذا دار بين كونه حقيقة أو مجازا ، مع الاحتمال ( على حقيقته ) كالأسد مثلا فإنه للحيوان المفترس حقيقة وللرجل الشجاع مجازا فإذا أطلق ولا قرينة كان للحيوان المفترس ; لأن الأصل الحقيقة ، والمجاز خلاف الأصل ( و ) كذلك إذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه ، فإنه يحمل على ( عمومه ) ; لأن الأصل بقاء العموم نحو قوله تعالى ( { وأن تجمعوا بين الأختين } ) يدخل في عمومه الحرتين والأمتين .

وإذا كانت إحداهما أمة والأخرى حرة ، ولا يخصص بالحرتين ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا . فإنه يحمل على ( إفراده ) كالنكاح . فإنه مشترك بين الوطء وسببه الذي هو العقد ، فيحمل على الوطء دون العقد ، أو على العقد دون الوطء ، لا على الاشتراك ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مضمرا أو مستقلا . فإنه يحمل على ( استقلاله ) وهو عدم التقدير . نحو قوله تعالى ( { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } ) فبعض العلماء يقدر ليقتلوا : إن قتلوا ; أو تقطع أيديهم إن سرقوا وبعضهم يقول : الأصل الاستقلال . وهو عدم التقدير ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا . فإنه يحمل على ( إطلاقه ) نحو قوله تعالى ( { لئن أشركت ليحبطن عملك } ) فبعض العلماء يقيده بالموت على الشرك ، وبعضهم يحمله على إطلاقه ; لأنه الأصل .

فيكون مجرد الشرك محبطا لما سبقه من الأعمال ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على ( تأصيله ) نحو قوله تعالى ( { لا أقسم بهذا البلد } ) قيل " لا " زائدة وأصل الكلام : أقسم بهذا البلد . وقيل : ليست بزائدة ; لأن الأصل في الكلام التأصيل ، ويكون المعنى : لا أقسم بهذا البلد وأنت لست فيه ، بل لا يعظم ولا يصلح للقسم إلا إذا كنت فيه .

( و ) كذا إذا دار الأمر بين أن يكون اللفظ مؤخرا أو مقدما . فإنه يحمل على ( تقديمه ) [ ص: 94 ] نحو قوله تعالى ( { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } ) فبعض العلماء يقول : إن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره : والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ، ثم يعودون لما كانوا قبل الظهار سالمين من الإثم بسبب الكفارة . وعلى هذا : فلا يكون العود شرطا في وجوب الكفارة . وبعضهم يحملها على الأصل ، وهو الترتيب . وعلى هذا : فلا تجب الكفارة إلا بالظهار والعود .

( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مؤكدا أو مؤسسا . فإنه يحمل على ( تأسيسه ) نحو قوله تعالى ( { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ) من أول سورة الرحمن إلى آخرها فإن جعل تأكيدا لزم تكرار التأكيد أكثر من ثلاث مرات . والعرب لا تزيد في التأكيد على ثلاث ، فيحمل في كل محل على ما تقدم ذلك التكذيب .

وكذلك القول في ( { ويل يومئذ للمكذبين } ) في سورة المرسلات . فيكون الجمع تأسيسا لا تأكيدا ( و ) كذا إذا دار اللفظ بين أن يكون مترادفا أو متباينا . نحو قوله صلى الله عليه وسلم { ليلني منكم أولو الأحلام والنهى } . فالنهى : جمع نهية - بالضم - وهي العقل ، فبعض العلماء فسر " أولو الأحلام " بالعقلاء . فيكون اللفظان مترادفين . وبعضهم فسر " أولو الأحلام " بالبالغين .

فيكون اللفظان متباينين . فإنه يحمل على ( تباينه ) فيحمل اللفظ مع احتمال حقيقته عليها ( دون مجازه ، و ) على عمومه دون ( تخصيصه ، و ) على إفراده دون ( اشتراكه ، و ) على استقلاله دون ( إضماره ، و ) على إطلاقه دون ( تقييده ، و ) على تأصيله دون ( زيادته ، و ) على تقديمه دون ( تأخيره ، و ) كذا إذا دار الأمر بين كون اللفظ مؤكدا أو مؤسسا . فإنه يحمل على تأسيسه دون ( توكيده . و ) على تباينه دون ( ترادفه . و ) كذا إذا دار الأمر بين نسخ الحكم وبقائه . نحو قوله تعالى ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } ) فحصر المحرم في هذه الأربعة يقتضي إباحة ما عداها ومن جملته [ ص: 95 ] السباع .

وقد ورد نهيه صلى الله عليه وسلم " عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن كل ذي مخلب من الطير " فبعض العلماء يقول : إن ذلك ناسخ للإباحة ، وبعضهم يقول : ليس بناسخ ، والأكل مصدر مضاف إلى الفاعل ، وهو الأصل في إضافة المصدر بنص النحاة . فيكون مثل قوله تعالى ( { وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } ) فيكون حكمهما واحدا وإذا كان الأمر كذلك فيحمل ( على بقائه دون نسخه ، إلا لدليل راجح ) يدل على خلاف ما قلنا ، أن اللفظ يحمل عليه ، فيعمل به ويترك ما ذكرناه ( ويحمل ) اللفظ الصادر من متكلم له عرف ( على عرف متكلم ) كالفقيه مثلا . فإنه يرجع إلى عرفه في كلامه ومصطلحاته وكذا الأصولي والمحدث والمفسر واللغوي ، ونحوهم من أرباب العلوم وكذلك إذا سمع من الشارع شيء له مدلول شرعي ومدلول لغوي . فإنه يحمل على مدلوله الشرعي .

كقوله صلى الله عليه وسلم { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } فإنه لو حمل على المعنى اللغوي ، وهو الدعاء ، لزم أن لا يقبل الله تعالى دعاء بغير طهور ، ولم يقل به أحد . فيجب حمله على الصلاة المعهودة في الشرع . وهي العبادة المخصوصة ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث