الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين

ولو أكرهوه على هبة جاريته لرجل ، ودفعها إليه ، فوهب ، ودفع ، فأعتقها الموهوب له جاز عتقه ، وغرم المعتق قيمتها ، أما قوله ، ولو دفعها إليه ، فهو فصل من الكلام ، فإن الإكراه على الهبة يكون إكراها على الدفع بخلاف الإكراه على البيع ، فإنه لا يكون إكراها [ ص: 54 ] على التسليم ، والفرق أن المكره مضار متعنت ، والهبة لا توجب الملك بنفسها ما لم يتصل بها القبض ، فإذا كان الضرر الذي قصده المكره ، وهو إزالة ملكه لا يحصل إلا بالقبض تعدى الإكراه إليه ، وإن لم ينص عليه ، فأما البيع ، فموجب الملك بنفسه ، والإضرار به يتحقق متى صح ، فلا يتعدى الإكراه عن البيع إلى شيء آخر ، وإذا سلم بعد ذلك بغير أمره كان طائعا في التسليم .

يوضحه : أن القبض في باب البيع يوجب ملك التصرف ، وذلك حكم آخر غير ما هو الموجب الأصلي بالبيع ، وهو ملك الغير ، فلا يتعدى الإكراه إليه بدون التنصيص عليه ، وأما القبض في باب الهبة ، فيوجب الملك الذي هو حكم الهبة ، وهو ملك الغير ، فلهذا كان الإكراه على الهبة إكراها على التسليم ، ثم بسبب الإكراه تفسد الهبة ، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناء على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض ، فإذا أعتقها ، أو دبرها أواستولدها ، فقد لاقى هذه التصرفات منه ملك نفسه فكانت نافذة ، وعليه ضمان قيمتها ; لأن رد العين كان مستحقا عليه ، وقد تعذر بنفوذ تصرفه فيه ، فعليه قيمتها كالمشتراة شراء فاسدا ، وإذا شاء المكره في هذا كله رجع على الذين أكرهوه بقيمتها ; لأنهم أتلفوا عليه ملكه ، فإن الإكراه بوعيد متلف يجعل المكره ملجأ ، وذلك يوجب كون المكره آلة للمكره ، ونسبة الفعل إليه فيما يصلح أن يكون آلة ، وهو في التسليم ، والإتلاف الحاصل به يصلح أن يكون آلة للمكره ، فإذا صار الإتلاف منسوبا إلى المكره كان ضامنا للقيمة ، فإن ضمنهم القيمة رجعوا بها على الموهوب له ; لأنهم قاموا في الرجوع عليه مقام من صحبهم ، ولأنهم ملكوها بالصحبة ، ولو كانت قائمة من هذا الموهوب له كان لهم أن يأخذوها منه ، وإذا أتلفوها بالإعتاق كان لهم أن يضمنوه قيمتها .

فإن قيل : لماذا لا تنفذ الهبة من جهتهم ؟ قلنا : لأنهم ما وهبوها له ، وإنما قصدوا الإضرار بالمكره لا التبرع من جهتهم بخلاف الغاصب إذا وهب المغصوب ، ثم ضمن القيمة ، فإن هناك قصد تنفيذ الهبة من جهته ، فإذا ملكه بالضمان نفذت الهبة من جهته كما قصدها ، ولذلك لو أكرهوه على البيع ، والتسليم ، ففعل ، فأعتقه المشتري ، أو دبره ، أو كانت أمة ، فاستولدها نفذ ذلك كله عندنا ، وقال زفر لا ينفذ شيء من ذلك ، وأصل المسألة أن المشتري من المكره بالقبض يصير مالكا عندنا خلافا لزفر رحمه الله ، وحجته في ذلك أن بيع المكره دون البيع بشرط الخيار للبائع ، فالبائع هناك راض بأصل السبب ، والبيع هناك يتم بموت البائع ، وهنا لا يتم ، ثم هناك المشتري لا يملكه بالقبض ، فهنا أولى إذ بيع المكره كبيع الهازل .

[ ص: 55 ] ولو تصادقا أنه كان البيع بينهما هزلا لم يملك المشتري المبيع بالقبض ، فكذلك إذا كان البائع مكرها ، وكلامه في الإكراه بالقتل ، أوضح ; لأن الفعل ينعدم في جانب المكره بالإلجاء ، فيصير كأن المكره باشر ذلك بنفسه ، فلا يملكه المشتري بالقبض ، وإن كان لو أجازه المالك طوعا صح : وحجتنا في ذلك أن بيع المكره ، فاسد ، والمشتري بالقبض بحكم البيع الفاسد يصير مالكا ، وبيان الوصف أن ما هو ركن العقد لم ينعدم بالإكراه ، وهو الإيجاب ، والقبول في محله ، وإنما انعدم ما هو شرط الجواز ، وهو الرضى قال الله تعالى { : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، وتأثير انعدام شرط الجواز في إفساد العقد كما هو في الربا ، فإن المساواة في أموال الربا شرط جواز العقد ، فإذا انعدمت المساواة كان العقد ، فاسدا ، وكان الملك ثابتا للمشتري بالقبض .

فهذا مثله بخلاف البيع بشرط الخيار ، فإن شرط الخيار يجعل العقد في حق حكمه كالمتعلق بالشرط ، والمتعلق بالشرط معدوم قبل الشرط ، وهذا ; لأن قوله على أنى بالخيار شرط ، ولكن لا يمكن إدخاله على أصل السبب ; لأن البيع لا يحتمل التعليق بالشرط ، فيكون داخلا على حكم السبب ; لأن الحكم يحتمل التأخر عن السبب ، وبهذا تبين أن البائع هناك غير راض بالسبب في الحال ; لأنه علقه بالشرط ، فلا يتم رضاه به قبل الشرط ، فكان أضعف من بيع المكره ; لأن المكره راض بالسبب لدفع الشر عن نفسه غير راض بحكم السبب ، والخيار الثابت للمكره من طريق الحكم ، فيكون نظير خيار الرؤية ، وخيار العيب ، وذلك لا يمنع انعقاد السبب في الحكم مقيدا لحكمه ، فكذلك بيع المكره ، وكذلك الهازل ، فإنه غير راض بأصل البيع ; لأن البيع اسم للجد الذي له في الشرع حكم .

والهزل ضد الجد ، فإذا تصادقا على أنهما لم يباشرا ما هو سبب الملك لا ينعقد البيع بينهما موجبا للملك ، وهنا المكره دعي إلى الجد ، وقد أجاب إلى ذلك ; لأنه لو أتى بغيره كان طائعا ، فكان بيع المكره أقوى من بيع الهازل من هذا الوجه ، وإنما ينعدم الفعل في جانب المكره إذا صار منسوبا إلى المكره ، وذلك يقتصر على ما يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، وفي البيع لا يصلح أن يكون هو آلة للمكره ; لأن التكلم بلسان الغير لا يتحقق فيه المكره مباشرا للبيع فإن قيل : هو في التسليم يصلح أن يكون آلة للمكره ، فينتقل ذلك إلى المكره ، ويصير كأنه سلم بنفسه ، فلا يملكه المشتري قلت : هو في التسليم متمم للعقد ، فلا يصلح أن يكون آلة للمكره ، وإنما يصلح أن يكون آلة للمكره في تسليم ابتداء غصب .

وثبوت الملك في البيع الفاسد لا ينبني على ذلك ، وإنما ينبني على تسليم هو حكم العقد ، وذلك متصور على المكره [ ص: 56 ] أيضا ; يوضحه : أنه لا تأثير للإكراه في تبديل محل الفعل ، ولو أخرجنا هذا التسليم من أن يكون متمما للعقد جعلناه غصبا ابتداء بنسبته إلى المكره ، فيتبدل بسبب الإكراه ذات الفعل ، وإذا كان لا يجوز أن يتبدل محل الفعل بسبب الإكراه ، فكيف يجوز أن تتبدل ذاته ، ومن أصحابنا رحمهم الله من علل لتنفيذ عتق المشتري من غير تعرض للملك ، فنقول : إيجاب البيع مطلقا تسليط للمشتري على العتق ، والإكراه لا يمنع صحة التسليط على العتق ، ونفوذ العتق بحكمه كما لا يمنع الإكراه صحة الإعتاق .

( ألا ترى ) أنه لو أكره على أن يوكل في عتق عبده ، ففعل ، وأعتقه الوكيل نفذ عتقه ، فهذا مثله ، وإذا ثبت نفوذ العتق ، والتدبير ، والاستيلاء ، فقد تعذر على المشتري رد عينها ، فيضمن قيمتها للبائع ، فإن شاء البائع ضمن الذين أكرهوه ; لأن العقد ، وما يتممه ، وإن لم يصر مضافا إليهم ، فالإتلاف الحاصل به يصير مضافا إليهم في حق البائع ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة لهم في الإتلاف ، فكان له أن يضمنهم قيمتها ، ثم يرجعون بها على المشتري ; لأنهم قاموا مقام البائع ; أو لأنهم ملكوها بالضمان ، ولا يمكن تنفيذ البيع من جهتهم ، فيرجعون على المشتري بقيمتها ; لأنه أتلفها عليهم طوعا بالإعتاق ، ولو أن المشتري أتلفها ، والموهوب له لم يفعل بها ذلك ، ولكنه باعها ، أو وهبها ، وسلمها ، أو كاتبها كان لمولاها المكره أن ينقض جميع ذلك ; لأن هذه التصرفات تحتمل النقض ، فينقض لحق المكره بخلاف العتق .

( ألا ترى ) أن العتق لا ينتقض لحق المرتهن ، والبيع ، والهبة ، والكتابة تنتقض لحقه فإن قيل : فأين ذهب قولكم أن بيع المكره فاسد ، والمشترى شراء ، فاسدا لا ينقض منه هذه التصرفات بعد القبض لحق البائع قلنا ; لأن هناك البائع سلم المبيع راضيا به ، فيصير بالتسليم مسلطا للمشتري على هذه التصرفات ، وهنا المكره غير راض بالتسليم ، ولو رضي بالتسليم تم البيع ، فوازنه المشتري شراء ، فاسدا إذا أكره البائع على التسليم ، فسلمه مكرها ، وهذا ; لأن الفاسد معتبر بالصحيح ، وفي البيع الصحيح إذا قبضه المشتري بغير إذن البائع ، وتصرف فيه ينقض من تصرفاته ما يحتمل النقض لإبقاء حق البائع في الحبس دون ما لا يحتمل النقض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث