الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو قال له لأقتلنك ، أو لتقتلن هذا المسلم أو تأخذ ماله ، فتستهلكه ، وهو أكثر من الدية ، أو أقل فلا بأس بأن يأخذ المال ، أو يستهلكه ، ويكون ضمانه [ ص: 139 ] على المكره ; لأن الإلجاء قد تحقق ، ويباح إتلاف المال عند الإلجاء كما لو أكره عليه بعينه ويصير هو في ذلك آلة للمكره ، فضمانه على المكره ، وإن قتل الرجل قتل به الذي ، ولي القتل ; لأنه لما أبيح له الإقدام على إتلاف المال ، ولا يلحقه بذلك إثم ، ولا ضمان كان هو غير مضطر في الإقدام على القتل ، فيكون بمنزلة الطائع ، فيلزمه القود ، وهو نظير ما تقدم من مسألة الميتة ، وشرب الخمر إلا أن هنا إن لم يفعل واحدا منهما حتى قتل كان غير آثم في ذلك بخلاف مسألة الميتة ; لأن الحرمة هناك لحق الشرع ، وحالة الضرورة مستثناة من الحرمة شرعا ، وهنا بخلافه ، فإن تناول مال الغير ، واستهلاكه بغير رضاه ظلم في حق صاحب المال والظلم حرام إلا أن بسبب الضرورة يباح له الإتلاف شرعا مع بقاء حق الملك في المال ، فلهذا وجب الضمان له على المكره جبرانا لحقه ، فإذا امتنع من ذلك كان ممتنعا من الظلم ، فلا يأثم به .

( ألا ترى ) أن المضطر إلى طعام الغير يسعه أن يأخذه بغير رضا صاحبه ، فإن أبى صاحبه أن يعطيه ، فلم يأخذ حتى مات لم يكن آثما في تركه لهذا المعنى ، فكذلك المكره .

( ألا ترى ) أنه لو قيل : له لنقتلنك أو لتدلنا على مالك ، فلم يفعل حتى قتل لم يكن آثما ، فإذا كان لو قتل في دفعه عن مال نفسه لم يكن آثما ، فكذلك إذا امتنع عن استهلاك مال الغير حتى قتل قال : ولو أثم في هذا في ماله ، أو مال غيره ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من قتل دون ماله ، فهو شهيد } ، وهذا حديث مشهور أشار إلى الاستدلال به من حيث إنه لو قتل دفعا عن مال نفسه أو عن مال غيره كان شهيدا ، فكيف لا يكون شهيدا في دفع ما لا يسعه الإقدام عليه ، فبهذا تبين أنه لا يأثم إذا امتنع من ذلك كله ، وكذلك لو قال : لأقتلنك ، أو لتطلقن امرأتك ، أو لتعتقن عبدك ، فلم يفعل حتى قتل لم يأثم ; لأنه بذل نفسه دفعا عن ملك محترم له ، فإن ملك النكاح محترم لملك المال ، وربما يكون الاحترام لملك النكاح أظهر ، فلا يكون هو آثما ، وإن كان يسعه الإقدام على كل واحد منهما لتحقق الضرورة .

التالي السابق


الخدمات العلمية