الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين

قال وليس في شيء يكره عليه الإنسان إلا ، وهو يرد إلا ما جرى فيه عتق ، أو تدبير ، أو ولادة ، أو طلاق ، أو نكاح ، أو نذر ، أو رجعة في العدة ، أو في الإيلاء ممن لا يقدر على الجماع ، فإن هذه الأشياء تجوز في الإكراه ، ولا ترد ، وأصل المسألة أن تصرفات المكره قولا منعقد عندنا إلا أن ما يحتمل الفسخ منه كالبيع ، والإجارة يفسخ ، وما لا يحتمل الفسخ منه كالطلاق ، والنكاح ، والعتاق ، وجميع ما سمينا ، فهو لازم ، وقال الشافعي : تصرفات المكره قولا [ ص: 57 ] يكون لغوا إذا كان الإكراه بغير حق بمنزلة تصرفات الصبي ، والمجنون ، ويستوي إن كان الإكراه بحبس ، أو قتل .

وحجته في ذلك قوله تعالى { لا إكراه في الدين } ، والمراد نفي الحكم لما يكره عليه المرء في الدين قال : عليه الصلاة والسلام { رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه } ، فهذا يدل على أن ما يكره عليه يكون مرفوعا عنه حكمه ، وإثمه ، وعينه إلا بدليل ، والمعنى فيه أن هذا قول موجب للحرمة ، فالإكراه الباطل عليه يمنع حصول الفرقة كالردة ، وتأثيره أن انعقاد التصرفات شرعا بكلام يصدر عن قصد ، واختيار معتبر شرعا ، ولهذا لا ينعقد شيء من ذلك بكلام الصبي ، والمجنون ، والنائم ، وليس للمكره اختيار صحيح معتبر شرعا فيما تكلم به بل هو مكره عليه ، والإكراه يضاد الاختيار ، فوجب اعتبار هذا الإكراه في انعدام اختياره به لكونه إكراها بالباطل ، ولكونه معذورا في ذلك ، فإذا لم يبق له قصد معتبر شرعا التحق بالمجنون بخلاف العنين إذا أكرهه القاضي على الفرقة بعد مضي المدة أو المولى بعدها ; لأن ذلك إكراه بحق لانعدام اختياره شرعا .

( ألا ترى ) أن المديون إذا أكرهه القاضي على بيع ماله نفذ بيعه ، والذمي إذا أسلم عبده ، فأجبر على بيعه نفذ بيعه بخلاف ما إذا أكرهه على البيع بغير حق قال : وعلى هذا قلت ، وإذا أكره الحربي على الإسلام صح إسلامه ، ولو أكره المستأمن ، أو الذمي على الإسلام لا يصح إسلامه ; لأنه إكراه بالباطل ، ولا يدخل فيه السكران ، فإنه غير معذور شرعا ، فهو في المعنى كالمكره بحق ، فيكون قصده ، واختياره معتبرا شرعا ، ولهذا نفذ منه جميع التصرفات ، ولهذا صح إقراره بالطلاق هناك ، ولا يصح هنا إقراره بالطلاق بالاتفاق ، فكذلك إنشاؤه ، وهذا بخلاف الهازل ; لأنه قاصد إلى التكلم بالطلاق مختار له ، فإن باب الهزل واسع ، فلما اختار عند الهزل التكلم بالطلاق من بين سائر الكلمات عرفنا أنه مختار للفظ ، وإن لم يكن مريدا لحكمه ، فأما المكره ، فغير مختار في التكلم بالطلاق هنا ; لأنه لا يحصل له النجاة إذا تكلم بشيء آخر ، وهذا بخلاف ما إذا أكره على أن يجامع امرأة ، وهي أم امرأته ، فإنها تحرم عليه ; لأنا ادعينا هذا في الأقوال التي يكون ثبوتها شرعا بناء على اختيار صحيح ، فأما الأفعال فتحققها بوجودها حسا .

( ألا ترى ) أنه إذا تحقق ذلك من المجنون كان موجبا للفرقة أيضا ، فكذلك من المكره بخلاف ما نحن فيه ; ولأن سبب الإكراه محافظة قدر الملك على المكره حتى قلتم في الإكراه على العتق : المكره يضمن القيمة للمكره ، وكما تجب محافظة قدر ملكه عليه تجب محافظة عين ملكه عليه ، ولا طريق لذلك سوى أن يجعل الفعل عدما في جانب المكره ، ويجعل هو آلة [ ص: 58 ] للمكره ، وإذا صار آلة له امتنع وقوع الطلاق ، والعتاق ، ولا معنى لقولكم : إنه في التكلم لا يصلح آلة ، فإنكم جعلتموه آلة حيث أوجبتم ضمان القيمة على المكره في العتاق ، وضمان نصف الصداق على المكره في الطلاق قبل الدخول ، ثم إن لم يمكن أن يجعل آلة حتى يصير الفعل موجودا من المكره يجعل آلة حتى ينعدم الفعل في جانب المكره ، فيلغو طلاقه ، وعتاقه .

وحجتنا في ذلك ما روينا من الآثار في أول الكتاب ، والمعنى فيه أنه تصرف من أهله في محله ، فلا يلغى كما لو كان طائعا ، وبيانه أن هذا التصرف كلام ، والأهلية للكلام يكون مميزا ، ومخاطبا ، وبالإكراه لا ينعدم ذلك ، وقد بينا أنه مخاطب في غير ما أكره عليه ، وكذلك فيما أكره عليه حتى ينوع عليه الأمر كما قررنا ، وهذا ; لأن الخطاب ينبني على اعتدال الحال ، وذلك لا يختلف فيه أحوال الناس ، فأقام الشرع البلوغ عن عقل مقام اعتدال الحال في توجه الخطاب ، واعتبار كلامه شرعا تيسيرا للأمر على الناس ، وبسبب الإكراه لا ينعدم هذا المعنى ، والسبب الظاهر متى قام مقام المعنى الخفي دار الحكم معه وجودا ، وعدما ، وبيان المحلية أنه ملكه ، ولو لم يكن مكرها لكان تصرفه مصادفا محله ، وليس للطواعية تأثير في جعل ما ليس بمحل محلا ، فعرفنا أن التصرف صادف محله إلا أن بسبب الإكراه ينعدم الرضا منه بحكم السبب ، ولا ينعدم أصل القصد ، والاختيار ; لأن المكره عرف الشرين ، فاختار أهونهما ، وهذا دليل حسن اختياره ، فكيف يكون مفسدا لاختياره ، وهو قاصد إليه أيضا ; لأنه قصد دفع الشر عن نفسه ، ولا يتوصل إليه إلا بإيقاع الطلاق .

وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودا ، فعرفنا أنه قاصد مختار ، ولكن لا لعينه بل لدفع الشر عنه ، فيكون بمنزلة الهازل من حيث إنه قاصد إلى التكلم مختار له لا لحكمه بل لغيره ، وهو الهزل ، ثم طلاق الهازل واقع ، فبه يتبين أن الرضا بالحكم بعد القصد إلى السبب ، والاختيار له غير معتبر ، وقد بينا أن حال المكره في اعتبار كلامه ، فوق حال الهازل ; لأن الحكم للجد من الكلام ، والهزل ضد الجد ، والمكره يتكلم بالجد ; لأنه يجيب إلى ما دعي إليه ، ولكنه غير راض بحكمه ، وهذا بخلاف الردة ، فإنها تنبني على الاعتقاد ، وهو التكلم بخبر عن اعتقاده ، وقيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه غير معتقد ، وأنه في إخباره كاذب ، وكذلك الإقرار بالطلاق ، والإقرار متميل بين الصدق ، والكذب ، وإنما يصح من الطائع لترجح جانب الصدق ، فإن دينه ، وعقله يدعوانه إلى ذلك .

، وفي حق المكره قيام السيف على رأسه دليل على أنه كذب ، والمخبر عنه إذا كان كاذبا ، فالإخبار به لا يصير صدقا ، فإن أقر به [ ص: 59 ] المقر باختياره لا يصير كائنا حقيقة ، وهذا بخلاف ما إذا هزل بالردة ; لأن هناك إنما يحكم بكفره لاستخفافه بالدين ، فإن الهازل مستخف لا محالة إذ الاستخفاف بالدين كفر ، فأما المكره ، فغير مستخف ، ولا معتقد لما يخبر به مكرها ، ثم إن وجب محافظة قدر الملك على المكره ، فذلك لا يدل على أنه يجب محافظة عين الملك عليه كما لو أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد ، وهو موسر ، فإنه يجب محافظة قدر الملك على الساكت بإيجاب الضمان له على العتق ، ولا يجب محافظة عين ملكه بإبطال عتق المعتق ، وهذا ; لأنه مكره على شيئين : التكلم بالعتاق ، والإتلاف ، وهو في التكلم لا يصلح آلة للمكره ; لأن تكلمه بلسان الغير لا يتحقق ، وفي الإتلاف يصلح آلة له ، فجعلنا الإتلاف مضافا إلى المكره ، فأوجبنا الضمان عليه ، وجعلنا التكلم بالطلاق ، والعتاق مقصورا على المكره ، فحكمنا بنفوذ قوله بأن المكره ينبغي أن يجعل آلة حتى ينعدم التكلم في جانبه حكما .

قلنا هذا شيء لا يمكن تحقيقه هنا ، فإن الخلاف في الإكراه بالقتل ، والإكراه بالحبس سواء ، وعند الإكراه بالحبس لا ينعدم الفعل في جانب المكره بحال ، ثم نقول ليس للإكراه تأثير في الإهدار ، والإلغاء .

( ألا ترى ) أن المكره على إتلاف المال لا يجعل فعله لغوا بمنزلة فعل التهمة ، ولكن يجعل موجبا للضمان على المكره ، فعرفنا أن تأثير الإكراه في تبديل النسبة حتى يكون الفعل منسوبا إلى المكره ، وهذا يقتصر على ما يصلح أن يكون المكره آلة للمكره ، فلو اعتبرنا ذلك لانعدم الفعل في جانب المكره من غير أن يصير منسوبا إلى المكره كان تأثير الإكراه في الإلغاء ، وذلك لا يجوز ، والمراد بالآية ، والحديث نفي الإثم لا رفع الحكم ، وبه نقول : إن الإثم يرتفع بالإكراه حتى لو أكرهه على إيقاع الطلاق الثلاث ، أو الطلاق حالة الحيض لا يكون آثما إذا ثبت أن تصرفاته تنعقد شرعا ، فما لا يكون محتملا للفسخ بعد وقوعه يلزم من المكره ، وما لا يعتمد تمام الرضا يكون لازما منه ، والطلاق ، والعتاق لا يعتمد تمام الرضا حتى إن شرط الخيار لا يمنع وقوعهما ، وما يحتمل الفسخ ، ويعتمد لزومه تمام الرضا قلنا لا يكون لازما إذا صدر من المكره إلا أن يرضى به بعد زوال الإكراه صريحا ، أو دلالة ، فحينئذ يلزم لوجود الرضا منه به ، فإن باع المشتري من المكره العبد من غيره ، وأعتقه المشتري الآخر نفذ عتقه ; لأن المشتري من المكره ملك بالشراء ، وإن كان للمكره حق الفسخ كما كان المشتري منه مالكا بالشراء ، وإن كان له حق الفسخ إلا أن عتق المشتري من المكره قبل القبض لا ينفذ ، وعتق المشتري من المشتري من المكره نافذ قبضه ، أو لم يقبضه [ ص: 60 ] لأن بيع المكره ، فاسد ، فالمشتري منه لا يصير مالكا إلا بالقبض .

فأما بيع المشتري منه ، فصحيح ، وإن كان للمكره حق الفسخ كالمشتري إذا قبض المبيع بغير إذن البائع ، وباعه صح بيعه ، وإن كان للبائع حق الفسخ ، فإذا صح البيع ملكه بنفس العقد ، وينفذ عتقه فيه ، ويصير بالعتق قابضا له : يوضحه أن المشتري بإيجاب البيع لغيره يصير مسلطا له على العتق ، وهو لو أعتق بنفسه نفذ عتقه ، فينفذ عتق المشتري منه بتسليطه أيضا ، ثم كان للمولى الخيار إن شاء ضمن المكره قيمته إذا كان الوعيد بقتل ; لأن الإتلاف صار منسوبا إليه ، وإن شاء ضمن الذي أخذه منه ; لأنه قبضه بشراء فاسد ، وقد تعذر رده ، وإن شاء ضمن الذي أعتقه ; لأنه أتلف المالية فيه بالإعتاق ، والعتق ينفذ من جهته حتى يثبت الولاء له ، فإن ضمن المكره رجع المكره بالقيمة إن شاء على المشتري الأول ، وإن شاء على المشتري الثاني ; لأنه قام مقام المكره بعد ما ضمن له ; ولأنه ملكه بالضمان ، وكل واحد منهما متعد في حقه ، فيضمن أيهما شاء ، فإن ضمن المشتري الآخر المكره ، أو المكره رجع على المشتري الأول ; لأن استرداد قيمته منه كاسترداد عينه ، وذلك مبطل للبيعين جميعا .

، فيرجع هو بالثمن على المشتري الأول ، ويرجع المشتري الأول بالثمن على مولاه ، وإن ضمن المكره المشتري الأول ، أو ضمنه المكره نفذ البيع بين المشتري الأول ، والمشتري الآخر ، وكان الثمن له ; لأنه كان باع ملك نفسه ، وكان البيع صحيحا فيما بينهما إلا أنه كان للمكره حق الفسخ ، فإذا سقط حقه بوصول القيمة إليه ، وقد تقرر الملك للمشتري الأول نفذ البيع بينه ، وبين المشتري الآخر . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث