الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني لا يباع على المديون ماله

( ألا ترى ) أن للوصي أن يأذن له في التجارة ، فلا يكون دفع المال إلى مثله تضييعا له ، وأما الكبير المفسد ، فدفع ماله إليه ما دام هو على فساده يكون تضييعا له ولهذا لو أذن له في التجارة ، وهو عالم بأنه فاسد ، ولم يؤنس منه رشد لم يجز إذنه ، وهذا ; لأنه مأمور بالنظر في حق كل واحد منهما ، والنظر في حق الصبي المصلح اختباره بالإذن له في التجارة كما قال الله تعالى { ، وابتلوا اليتامى } ، والنظر في حق الكبير المفسد منعه من التصرف ، ومنع المال منه فيكون دفع المال إليه ، والإذن له في التجارة خلاف المأمور به في حقه ، فلا ينفذ من الوصي .

( ألا ترى ) أن الغلام المصلح لماله لو رفع الأمر إلى القاضي وكان ممن يشتري ، ويبيع ويربح كان الذي ينبغي للقاضي أن يأذن له في التجارة ، ولو رفع هذا المفسد لم يأذن له في ذلك ، فلذلك اختلف حال الوصي فيهما ، ولو أن القاضي أمر هذا المفسد أن يبيع شيئا من ماله ، ويشتري به ، ففعل ذلك جاز ، وكان هذا إخراجا من القاضي له من الحجر وذلك صحيح من القاضي ; لأنه حكم منه في موضع الاجتهاد لينفذ منه ، ولا ينفذ مثله من الوصي ; لأنه ليس له ولاية الحكم ، فإن وهب ، أو تصدق هذا المفسد بذلك المال لم يجز ; لأن القاضي إنما دفع الحجر عنه في التجارة خاصة .

، وحكم القاضي يتقيد تنفيذه ، فبقي الحجر عليه فيما ليس بتجارة على ما كان قبل هذا الإذن حتى إذا أعتق الغلام سعى الغلام في قيمته ، وإن اشترى ، وباع بما لا يتغابن الناس فيه لم يجز ; لأن المحاباة ممن لا يملك التبرع بمنزلة الهبة وإن أذن له في بيع عبد بعينه ، أو في شراء عبد بعينه لم يجز له أن يشتري ، ولا أن يبيع إلا الذي أذن له فيه خاصة ; لأنه بهذا الإذن ينيبه مناب نفسه ولا يرفع الحجر عنه في شيء ، فإنه لم يفوض إليه شيئا من التصرف إلى رأيه ، ولكن رأى فيه رأيه ، ثم أمره أن ينوب عنه في [ ص: 183 ] مباشرة العقد ، فلا يكون ذلك رفعا للحجر عنه .

ولو أذن له في شراء البر ، وبيعه خاصة دون ما سواه من التجارات كان مأذونا في التجارات كلها ; لأن هذا الإذن إطلاق للحجر عنه في التجارة في نوع مفوضا إلى رأيه ، وهو نظير المولى يأذن لعبده في نوع من التجارة يصير مأذونا في التجارات كلها ولو أمره أن يشتري شيئا بعينه لا يصير مأذونا ، وكذلك الوصي في حق الذي لم يبلغ .

والفقه فيه أن الفاسد المحجور عليه يقدر على إفساد ماله فيما أذن له من التجارة ; لأن إتلاف المال بطريق التجارات في الضرر دون إتلافه بطريق التبرع مثل ما يقدر عليه في غيره ، فليس في تقييد الإذن بنوع من التجارة معنى النظر بخلاف التبرع ، فلا يكون فك الحجر عنه في التجارة فكا للحجر عنه في التبرع ، فإن قال القاضي في السوق بمحضر من أهلها ، أو بمحضر من جماعة منهم : قد أذنت لهذا في التجارة ، ولا أجيز له منها إلا ما أعلم أنه اشترى ، أو باع ببينة ، فأما ما لا يعلم إلا بإقراره ، فإني لا أجيز عليه ، فالأمر على ما قال القاضي من ذلك ; لأن تقييده فك الحجر عنه بما قيده به يرجع إلى النظر له والقاضي مأمور في حق السفيه بما يكون فيه توفير النظر عليه يوضحه أن صحة إقراره بعد انفكاك الحجر عنه باعتبار أنه من توابع التجارة ، وإنما يكون تابعا إذا لم يصرح فيه بخلاف ما صرح به في أصل تجارته ، وله ولاية هذا التصريح مع بقاء فك الحجر عنه ، فلا بد من اعتباره ، ولو لم يعتبر هذا إنما لا يعتبر دفعا للضرر ، والغرور عمن يعامله .

وقد اندفع ذلك حين جعل القاضي هذا القيد مشهورا كإشهار الإذن ، وهذا بخلاف الغلام المصلح الذي لم يبلغ يأذن له أبوه ، أو وصيه في التجارة على هذا الوجه أو العبد يأذن له مولاه على هذا الوجه حيث لا يلزمهم ، وما أقروا به مثل ما يلزمهم بالبينة ; لأنه ليس للولي ، ولا للمولى ولاية تقييد الإذن بما قيده به مع بقاء أصل الإذن فيلغو بقيده ، وهذا ; لأن الإذن للمحجور عليه على وجه النظر ، وفي التقييد توفير النظر ، فيستقيم من القاضي .

وفي حق من كان مأمونا على ماله ، أو في حق العبد ليس في هذا التقييد معنى التطويل بل هو تقييد غير مفيد ; لأن الحاجة إلى إذن المولى لتتعلق ديونه بمالية رقبته ، ولا فرق في ذلك بين الدين الذي يثبت عليه بإقرار ، أو بالبينة في حق المولى والفاسد الذي يستحق الحجر عليه - كل من كان مضيعا ماله مفسدا له لا يبالي ما صنعه منتفعا بالسرف في غير منفعة على جهة المجون ، فإن كان فاسدا في دينه لا يؤمن عليه من فجوره ، ولا غيره إلا أنه حافظ لماله حسن التدبير له لم يستحق الحجر عليه ; لأن الحجر على قول من يراه لإبقاء المال ، ولا حاجة إليه في حق الفاسد الذي هو حسن التدبير في ماله إنما [ ص: 184 ] الحاجة إليه في حق المبذر المتلف لماله .

ولو أن قاضيا حجر على فاسد يستحق الحجر ، ثم رفع إلى قاض آخر فأطلق عنه الحجر وأجاز ما كان باع ، أو اشترى ، ولم ير حجر الأول شيئا ، فأبطل حجره جاز إطلاق هذا عنه ; لأن الأول لو تحول رأيه فأطلق عنه الحجر جاز فكذلك الثاني ، وهذا ; لأن نفس الحجر على السفيه مجتهد فيه ، فإنه باطل عند أبي حنيفة رحمه الله ، ونفس القضاء متى كان مجتهدا فيه يوقف على إمضاء غيره فإذا أبطله بطل ، ثم الحجر عليه لم يكن قضاء من القاضي ; لأن القضاء يستدعي مقضيا له ومقضيا عليه ، ولم يوجد ذلك إنما كان ذلك نظرا منه له ، وقد رأى الآخر النظر له في الإطلاق عنه فينفذ ذلك منه إلا أن يكون شيء من بيوعه ، أو شرائه المتقدمة رفع إلى القاضي الذي يرى الحجر عليه ، أو إلى قاض آخر يرى الحجر ، فأبطل مبايعاته ، ثم رفع إلى هذا القاضي الآخر فأبطل قضاء الأول ، وأجاز ما كان أبطله ، ثم رفع إلى قاض آخر يرى الحجر ، أو لا يراه ، فإنه ينبغي له أن يجيز قضاء الأول بإبطال ما أبطل من بيوعه ، وأشريته ويبطل قضاء الثاني فيما أبطله من قضاء الأول ; لأن قضاء الأول حصل في موضع الاجتهاد فنفذ ذلك ، وكان ذلك قضاء تاما بوجود المقضي له ، والمقضي عليه ، وقضاء القاضي في المجتهدات نافذ بالاتفاق ، ثم الإبطال من الثاني حصل بخلاف الإجماع ; لأنه أبطل قضاء أجمع المسلمون على نفوذه وقضاء القاضي بخلاف الإجماع باطل ، فهذا يبطل ، الثالث - قضاء القاضي بإبطال قضاء الأول ، ويمضي قضاء الأول بإبطال ما أبطل من بيوعه ، أو أشريته ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث