الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 181 إلى 200

وقوله: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم [ ص: 416 ] في معنى التشبيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه في شهر رمضان بعينه، وعدد أيامه، وأن الذين كتب عليهم حولوه وزادوا فيه، قاله الشعبي، والحسن .

وقال الشعبي : فرض على النصارى رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل؛ لأنهم كانوا ربما صاموه في القيظ، وجاء قوم فصاموا قبله يوما وبعده يوما، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة الأول في الزيادة حتى بلغوه خمسين يوما.

وقيل: كان سبب الزيادة: أن ملكا من ملوكهم مرض، فجعل على نفسه - إن برئ - أن يزيد على نفسه في الصيام عشرة أيام، ففعل، ثم مرض ملك آخر، فنذر أن يزيد سبعا، ففعل، ثم جاء آخر فقال: أكملوها خمسين، واجعلوه حين لا حر ولا قر، فالآية على هذا ناسخة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصومه في أول الإسلام من يوم عاشوراء، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.

[ ص: 417 ] والقول الثاني: أن التشبيه واقع على صفة الصيام الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح بعد النوم، وكان ذلك في أول الإسلام، فنسخ الله ذلك بقوله: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية، قاله السدي، وأبو العالية، وغيرهما.

والقول الثالث: أن يكون التشبيه واقعا على الصيام لا على الصفة ولا على العدة، وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان، روي معناه عن معاذ بن جبل، وعطاء، وغيرهما، قال معاذ: والذي كتب في أول الإسلام من الصيام: ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، وكذلك قال عطاء، إلا أنه لم يذكر يوم عاشوراء، فهو على هذا منسوخ بصوم رمضان.

وقوله: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر : حد المرض الذي يفطر من أجله الصائم عند مالك : أن يشق عليه الصيام ويبلغ منه.

الشافعي : إن كان مرضه محتملا للصوم؛ لم يفطر.

أبو حنيفة : إذا خاف أن يزيد الوجع به أو الحمى؛ أفطر.

[ ص: 418 ] فأما الصيام في السفر؛ فالمسافر عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه: مخير بين الصيام والإفطار، والصوم عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، أفضل لمن قوي عليه.

وروي عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما: أن الفطر فيه أفضل.

وروي عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وقتادة : أن أيسرهما أفضلهما.

وكره النخعي، وابن جبير الصيام في السفر.

وعن ابن عمر : إن صام في السفر؛ قضى في الحضر.

[وعن جماعة منهم عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر].

ويفطر عند مالك : إذا سافر مسافة أربعة برد، وروي نحوه عن ابن عمر، وابن عباس .

وعن ابن عمر أيضا، والثوري في ثلاثة أيام، وعن الزهري : في [ ص: 419 ] يومين، وعن عطاء، والشعبي، وابن حنبل : فيما تقصر فيه الصلاة.

وقوله: فعدة من أيام أخر التتابع في قضاء رمضان لازم عند بعض العلماء، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عمر، وغيرهما.

وأباح تفرقته أنس بن مالك، ومعاذ بن جبل، وغيرهما، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابه.

واستحب مالك، والشافعي، وغيرهما المتابعة.

وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين : قد روي عن معاذ بن جبل، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم: أنه كان في أول الإسلام من أطاق الصوم مخير بين الصيام والإفطار والإطعام، فنسخ ذلك بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه .

وقال الربيع بن أنس، وقتادة : كان ذلك حكما خاصا للشيخ والعجوز [اللذين لا يطيقان الصيام، فنسخ بقوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ].

ومعنى هذا القول في الشيخ والعجوز: اللذين لا يطيقان الصوم إلا بمشقة.

فأما اللذان لا يطيقانه البتة؛ فلا يسوغ تأول القول فيهما؛ إذ لا يجوز [ ص: 420 ] أن يكلفا الصيام وهما عاجزان عنه، وسأذكر مذاهب العلماء في ذلك.

وعن ابن عباس، وعكرمة، والسدي، وغيرهم: أن المعنى: (وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال شبابهم وصحتهم فعجزوا لكبر أو مرض فدية طعام مساكين.

ومن قرأ: (يطوقونه) أو (يطوقونه) ؛ فالمعنى: (يطوقونه ولا يطيقونه)، والآية محكمة، ويدخل في هذا على قول من قال: إن المعنى: يكلفونه ولا يطيقونه إلا على مشقة - وهو قول ابن عباس وغيره - كل من يقدر على الصيام بمشقة؛ كالحامل، والمرضع، وغيرهما، إلا المسافر والمريض اللذين جاء النص بأنهما ليس عليهما سوى القضاء، على اختلاف بين العلماء في الحامل والمرضع.

ولا إطعام على الكبير إذا عجز عن الصيام عند مالك، وربيعة، وأبي ثور، وغيرهم.

قال مالك : وأحب لمن قوي أن يطعم عن كل يوم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 421 ] وأوجب الشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهما عليه الإطعام.

وروي عن ابن عباس، وابن عمر في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ويفطران، ولا قضاء عليهما.

وقال الحسن، وعطاء، وغيرهما: يفطران ويقضيان، ولا إطعام عليهما، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي، وابن حنبل : يفطران، ويطعمان، ويقضيان.

ورأى مالك على الحامل القضاء [بغير إطعام إن أفطرت، وعلى المرضع - إن أفطرت- القضاء] والإطعام.

وقوله: فمن تطوع خيرا فهو خير له قال ابن عباس وغيره: فمن تطوع فزاد مسكينا.

وأن تصوموا خير لكم قال الزهري : وأن تصوموا مع الفدية خير لكم. هذا على أن ما تقدم منسوخ، ومن جعله محكما؛ فالمراد عنده: الشيخ والعجوز، والمعنى: وأن تصوموا - إن أطقتم - خير لكم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث