الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ثم الوصية تتقدر بقدر الثلث من المال وهي مأخوذة من الدين لحديث علي رضي الله عنه قال : إنكم تقرءون الوصية قبل الدين { وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدأ بالدين قبل الوصية } ، وهكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فهذا منهما إشارة إلى معنى التقديم والتأخير في الآية ، ثم قضاء الدين من أصول حوائج المرء ; لأنه تفرغ به ذمته والوصية ليست من أصول حوائجه وحاجته مقدمة في تركته .

( ألا ترى ) أنه يقدم جهازه وكفنه لحاجته إلى ذلك فكذلك قضاء الدين ، ثم زعم بعض أصحابنا أن الوصية بعد الدين تقدم على الميراث لظاهر الآية وأكثرهم قالوا التقديم لا يظهر في الوصية بل الوارث يستحق الثلثين إرثا في الوقت الذي يستحق الموصى له الثلث بالوصية والمراد من الآية تقديم الوصية على الميراث في الثلث ; لأنه محل للإرث إذا لم يوص فيه بشيء ، فإذا أقضى كانت الوصية في الثلث مقدمة على الميراث والدليل على أن محل الوصية النافذة شرعا ثلث [ ص: 144 ] المال ما رواه من حديث : { سعد بن مالك قال يا رسول الله أوصي بمالي كله ، فقال لا قال فبنصفه قال لا قال فبثلثه قال الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، وفي رواية : يتكفكفون ، وأصل هذا الحديث ما روي : { أن سعدا رضي الله عنه مرض بمكة عام حجة الوداع فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال يا رسول الله أخلف عن دار الهجرة فأموت بمكة ، فقال : إني لأرجو أن يبقيك الله ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون لكن البائس سعد بن خولة يرثى له إن مات بمكة } ، قيل هذا من النبي عليه السلام إشارة إلى ما جرى من الفتوح على يد سعد في زمن عمر رضي الله عنه ، ثم { قال : يا رسول إني لا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بمالي كله } ، الحديث ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للمرء أن يوصي بأكثر من ثلثه ; لأن النبي عليه السلام ذم المعتدين في الوصية والتعدي في الوصية مجاوزة حدها قال الله - تعالى - : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } ، وفي الحديث : { الحيف في الوصية أكبر الكبائر } ، والحيف هو الظلم والميل وذلك بمجاوزة الحد المحدود شرعا بأن يوصي لبعض ورثته أو يوصي بأكثر من ثلث ماله على الإضرار بورثته .

والدليل على أن محل الوصية الثلث ما روينا من قوله : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم } ، ثم بين المعنى بقوله : { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، معناه ورثتك أقرب إليك من الأجانب فترك المال خير لك من الوصية فيه ، وفي هذا دليل أن التعليل في الوصية أفضل وذلك مروي عن أبي بكر وعمر ، وقال : لأن يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع ولأن يوصي بالربع أحب إلينا من أن يوصي بالثلث ، وعن علي رضي الله عنه مثل ذلك وزاد وقال : من أوصى بالثلث فلم يترك شيئا يعني لم يترك شيئا مما جعل له الشرع حق الوصية فيه فعرفنا أن القليل في الوصية أفضل ; لأن ذلك أبعد وحشة الورثة ، فإنه إذا أوصى بجميع الثلث قال الوارث لا منة له علي ، فإنه ما ترك الوصية بما زاد على الثلث إلا لعجزه عن تنفيذه شرعا وحق الوارث ثبت في ماله شرعا قال عليه السلام : { إن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر حتى إذا بلغ هذا - وأشار إلى التراقي - قلت : لفلان كذا ولفلان كذا كان ذلك } وإن لم يقل ، وإنما تحل الوصية بالثلث شرعا لمن يترك مالا كثيرا يستغني ورثته بثلثه إما لكثرة المال أو لقلة الورثة هكذا روي أن عليا استأذنه رجل في الوصية لمن يترك خيرا يريد قوله تعالى : { إن ترك خيرا } ، ثم يستدل بظاهر هذا الحديث من يقول بأن : { الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر } ، فإن النبي عليه السلام قدم صفة الغنى لورثة سعد ، فقال [ ص: 145 ] { إنك إن تدع عيالك أغنياء } ، ولكنا نقول قدم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه والأفضل ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، ثم إنما قدم الغني على الفقير الذي يسأل كما قال : { من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس } ، أي يلحون في السؤال ونحن إنما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم الله بقوله - تعالى - : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } ، وهذا لأن الفقر مع الصبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن قال عليه السلام : { الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على جلد الفرس } .

فأما الغنى فسبب للطغيان والفتنة قال الله - تعالى - : { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } وروي أن حمزة بن عبد المطلب أوصى إلى زيد بن حارثة يوم أحد وأن عليا رضي الله عنه أوصى إلى الحسن رضي الله عنه ، وفيه دليل أن للمرء أن يوصي إلى غيره في القيام بحوائجه بعد وفاته ، وهذا من نظر الشرع له أيضا فقد يفرط في بعض حوائجه في حياته أو تخترمه المنية فيحتاج إلى من يقوم مقامه في القيام بحوائجه بعد موته والإيصاء إلى الغير كان مشهورا بين الصحابة رضي الله عنهم ، فإن أبا بكر رضي الله عنه استخلف عمر وأوصى إلى عائشة رضي الله عنها في حوائجه وعمر أوصى إلى حفصة وتكلم الناس في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أوصى إلى أحد والصحيح عندنا أنه لم يوص إلى أحد بشيء إنما : { أمر أبا بكر أن يصلي بالناس } ، وبه استدلوا على خلافته ، فقالوا ما اختاره لأمر ديننا إلا وهو يرضى به لأمر دنيانا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث