الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو كانا عبدين فشج كل واحد منهما صاحبه معا وبرآ خير مولى كل واحد منهما ، فإن شاء دفعه ، وإن شاء فداه بجناية مملوكه على مملوك صاحبه ، فإن اختار الدفع صار عبد كل واحد منهما للآخر فلا يتراجعان بشيء سوى ذلك ; لأن كل واحد منهما وصل إلى ما كان مستحقا له ، وإن اختار الفداء أدى كل واحد منهما أرش جناية الآخر تاما ، وإن سبق أحدهما بالضربة قيل لمولى البادي بالضربة ادفعه أو افده ; لأن عبده سبق بالجناية فيخير هو أولا ، فإن دفعه صار العبد [ ص: 120 ] للمدفوع إليه ، ولا يرجع الدافع عليه بشيء ; لأنه لو رجع بشيء لزمه دفع ذلك إليه مع عبده عن الجناية فتبقى جناية عبد الآخر عليه معتبرة ، فإن مات البادي من الضربة وبرئ الآخر وقيمة كل واحد منهما خمسة آلاف ، فإن قيمة الميت في عنق الحي يدفع بها أو يفدي ، فإن فداه بقيمة الميت رجع في تلك القيمة بأرش جناية عبده ; لأن حقه كان ثابتا في رقبة الميت باعتبار جنايته على ملكه ، وقد مات وأخلف بدلا فيكون له أن يرجع في ذلك البدل بأرش جراحة عبده ، وإن دفعه رجع بأرش شجة عبده في عنقه ويخير المدفوع إليه بين الدفع والفداء ; لأن الجناية من عبده كانت بعد الشجة فلا يتعلق حق مولى المجني عليه بأرش تلك الشجة ، وقد كان قبل جناية مولى المجني عليه مخيرا بين الدفع والفداء فكذلك بعد جنايته .

( ألا ترى ) أن عبدا لو شج عبدا موضحة ، ثم جاء عبد آخر فقتل الشاج خطأ خير مولاه بين الدفع والفداء ، فإن فداه كان أرش جراحة المشجوج في ذلك الفداء ، وإن دفعه خير مولى العبد الميت ، فإن شاء دفعه على ما سبق ، وقد أعاد جواب هذا السؤال بعد هذا بأسطر ، وقال مولى الميت بالخيار إن شاء دفع أرش جناية الحي مكان قيمة عبده في عنق الباقي ويخير مولاه ، فإن شاء دفعه ، وإن شاء فداه ، وإن أبى أن يدفع المولى أرش جناية الحي فلا شيء له في عنق الحي ; لأن عبده هو البادي بالجناية فلا يكون له في عنق الحي شيء حتى يؤدي أرش جنايته .

( ألا ترى ) أن عبده لو كان حيا بدئ به فقيل له ادفعه أو افده ؟ فكذلك إذا كان ميتا ، ولو برئ الأول ومات الآخر من الجناية خير مولى الأول بين الدفع والفداء ; لأن عنده هو الذي بدأ بالجناية ، فإن فدى عبده كان أرش جناية عبده في الفداء بعدما يدفع منه أرش موضحة العبد الآخر ; لأن العبد الآخر جنى على عبده ، وهو مشجوج فلا يتعلق به حقه بأرش الشجة ، وإنما كان حقه في العبد مشجوجا ، وقد مات وأخلف عوضا ، وإن دفع عبده فلا شيء له عليه ; لأن حقه بالدفع يسقط عن أرش جناية العبد الآخر على عبده ، فإذا استوفى ذلك لزمه دفعه مع عبده فلا يكون استيفاؤه مفيدا شيئا .

التالي السابق


الخدمات العلمية