الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2277 22 - حدثنا عثمان ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن الشعبي ، عن وراد مولى المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة بن شعبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال .

التالي السابق


مطابقته للترجمة في قوله " وإضاعة المال " ، ورجاله ذكروا غير مرة ، وعثمان هو ابن أبي شيبة ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، والشعبي هو عامر بن شراحيل .

وهؤلاء كلهم كوفيون لكن سكن جرير الري ، وفيه ثلاثة من التابعين على نسق واحد وهم منصور والشعبي ووراد .

والحديث مر في كتاب الزكاة في باب قول الله تعالى لا يسألون الناس إلحافا بأخصر منه ، فإنه أخرجه هناك عن يعقوب بن إبراهيم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن خالد الحذاء ، عن الشعبي إلى آخره .

قوله " عقوق الأمهات " أصل العقوق القطع كأن العاق لأمه يقطع ما بينهما من الحقوق ، وإنما خص الأمهات بالذكر وإن كان عقوق الآباء أيضا حراما لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء وللتنبيه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك ، ولأن ذكر أحدهما يدل على أن الآخر مثله بالضرورة ولكن تعيين الأم لما ذكرنا ، قوله " ووأد البنات " الوأد مصدر وأدت الوائدة ابنتها تئدها إذا دفنتها حية ، وقال ابن التين : بإسكان الهمزة ، وضبط ابن فارس بفتحها ، وقال أبو عبيد : كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد ، ويقولون : القبر صهر ونعم الصهر ، وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة ، وبعضهم يفعله تخفيفا للمؤنة .

قوله " ومنع " أي وحرم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه ، قوله " وهات " أي وحرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه ، وقيل : نهى عن منع الواجب من ماله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها ، ونهى عن استدعاء ما لا يجب عليهم من الحقوق وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم ، فكأنه ينتصف ولا ينصف ، وهذا من أسمج الخلال .

وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد بن حنبل : ما معنى منع وهات ؟ قال : أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي فتمد يدك فتأخذ من الناس ، وقال ابن التين : وضبط منع بغير ألف وصوابه منعا بالألف لأنه مفعول حرم ، قلت : صرح الكرماني بقوله " منعا " بالألف ، حيث قال : فإن قلت : كيف صح عطفه ؟ أي عطف " هات " على " منعا " ثم أجاب بقوله : تقديره هات وهات ، إذ هو باعتبار لازم معناه وهو الأخذ ، انتهى .

قلت : لأن معنى " هات " أعطني ، ومن لازم العطاء الأخذ ، تقول : هات يا رجل بكسر التاء ، وللاثنين هاتيا مثل إيتيا ، وللجمع هاتوا ، وللمرأة هاتي بالياء وللمرأتين هاتيا [ ص: 248 ] وللنساء هاتين مثل عاطين ، قوله " قيل وقال " إما فعلان وإما مصدران ، فإذا كانا فعلين يكون قيل مجهول ، قال : الذي هو ماض ، والمعنى على هذا نهي عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا ، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء ، خلوين من الضمير ، ومنه قولهم " الدنيا قال وقيل " وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم : لا تعرف القال من القيل ، وإذا كانا مصدرين يكون معناه نهى عن قيل وقول يقال قلت قولا وقالا وقيلا ، وأصل قالا قولا قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وأصل قيلا قولا قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، وقيل : هذا النهي إنما يصح في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته ، فأما من حكى ما صح ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولا ذم ، وقيل : هذا الكلام يتضمن بعمومه النميمة والغيبة فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال والإصغاء إليه أقبح وأفحش ، قوله " وكثرة السؤال " فيه وجوه : أحدها السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها ، والثاني مسألة الناس من أموالهم ، وقال التوربشتي : ولا أدري حمله على هذا فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة ، والثالث : كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء ، والرابع : كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وقال ابن بطال : وكثرة السؤال إما في العلميات وإما في الأموال ، قوله " وإضاعة المال " قد مر تفسيره في أول الباب ، وقال الطيبي : التقسيم الحاصر فيه الحاوي لجميع الأقسام أن تقول إن الذي يصرف إليه المال إما أن يكون واجبا كالنفقة والزكاة ونحوها وهذا لا ضياع فيه ، وهكذا إن كان مندوبا إليه وإما أن يكون حراما أو مكروها وهذا قليله وكثيره إضاعة وسرف ، وإما أن يكون مباحا ولا إشكال إلا في هذا القسم إذ كثير من الأموال يعده بعض الناس من المباحات ، وعند التحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها والإسراف في النفقة والتوسع في لبس الثياب والأطعمة الشهية اللذيذة ، وأنت تعلم أن القسوة وغلظة الطبع تتولد من لبس الرقاق وأكل الشهيات ، ويدخل فيه تمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى يضيع فيهلك ، وقسمة ما لا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران ، وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث