الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 159 ] القسم الأول

فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا

ولما بان أنه على خمسة أنواع ، فالنظر المتعلق بها منه ما هو مختص بكل واحد منها بخصوصه ومنها ما هو مشترك بينها .

فلنرسم في كل واحد منها أصلا ، وهي ستة أصول .

الأصل الأول

في تحقيق معنى الكتاب
، وما يتعلق به من المسائل ; لأنه الأول والأولى بتقديم النظر فيه [1] أما حقيقة الكتاب فقد قيل فيه : هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا ، وفيه نظر .

فإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل ، وذلك مما لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا بل ولا بعدم نقله إلينا بالكلية ، بل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا وعدم علمنا بكونه قرآنا بتقدير عدم تواتره ، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في حقيقته ، فلا يمكن أخذه في تحديده .

والأقرب في ذلك أن يقال : الكتاب هو القرآن المنزل .

فقولنا : ( القرآن ) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والإنجيل وغيرهما ، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى فليست هي الكتاب المعهود لنا المحتج به في شرعنا على الأحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه ، وفيه احتراز عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام مما ليس بمتلو .

وقولنا : ( المنزل ) احتراز عن كلام النفس ، فإنه ليس بكتاب ، بل الكتاب هو الكلام المعبر عن الكلام النفساني ، [2] ولذلك لم نقل هو الكلام القديم ولم نقل هو المعجز ; لأن المعجز أعم من الكتاب ولم نقل هو الكلام المعجز ; لأنه يخرج منه الآية وبعض الآية مع أنها من الكتاب وإن لم تكن معجزة .

[ ص: 160 ] وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب [3] ، فلا بد من النظر فيما يختص به من المسائل وهي خمس مسائل :

المسألة الأولى [4] اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا ، وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة ، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا كمصحف ابن مسعود ، وغيره أنه هل يكون حجة ، أم لا ؟

فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة ، وبنى [5] عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " .

والمختار إنما هو مذهب الشافعي .

وحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه .

فالراوي له إذا كان واحدا إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ ، وإن لم يذكره على أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام ، وبين أن يكون ذلك مذهبا له فلا يكون حجة .

وهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه السلام ، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه .

فإن قيل : قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، لا نسلم ذلك ، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه عليه السلام لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم ، وأن جمعه إنما كان [ ص: 161 ] بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد ، ولذلك اختلفت مصاحف الصحابة .

ولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم ، لما كان كذلك .

ولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن ، وأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن .

سلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام ، وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم ، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم ، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت

وعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن ; لأن الظاهر من حاله الصدق ولم يوجد ما يعارضه .

غايته أنه غير مجمع على العمل به ، لعدم تواتره ، وإن لم يصرح بكونه قرآنا أمكن أن يكون من القرآن ، وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام وأمكن أن [6] يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه ، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا ، وبتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام .

وهما احتمالان وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له ، وهو احتمال واحد ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه .

سلمنا أنه ليس بقرآن ، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له .

إلا أن احتمال كونه خبرا راجح ; لأن روايته له موهم بالاحتجاج به .

ولو كان مذهبا له لصرح به ، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا .

والجواب : أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم ، فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين ; لأن القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه عليه السلام قطعا ، ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه ، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك .

[ ص: 162 ] وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد ، فلم يكن في كونها قرآنا بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها وفي طولها وقصرها .

وأما ما اختلفت به المصاحف ، فما كان من الآحاد فليس من القرآن وما كان متواترا فهو منه .

وأما الاختلاف في التسمية ، إنما كان في وضعها في أول كل سورة لا في كونها من القرآن .

وأما إنكار ابن مسعود ، فلم يكن لإنزال هذه السور على النبي عليه السلام ، بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه .

قولهم : إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطأ .

قلنا : وإن كان كذلك ، إلا أن سكوت من سكت ، وإن لم يكن ممتنعا [7] إلا أنه حرام [8] لوجوب نقله عليه .

وعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن ، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت .

ولو قلنا إنه ليس بقرآن لم يلزم منه ذلك ، لا بالنسبة إلى الراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين وبتقدير [9] ارتكاب ابن مسعود للحرام مع كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة له ، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله معارض ، وتعين تردد نقله بين الخبر والمذهب .

قولهم : حمله على الخبر راجح ، لا نسلم ذلك .

قولهم : لو كان مذهبا لصرح به ، نفيا للتلبيس .

قلنا : أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة ، وما نحن فيه كذلك [10] ، ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية ، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق .

كيف وفيه موافقة النفي الأصلي وبراءة الذمة من التتابع بخلاف مقابله ، فكان أولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث