الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 57 ] المسألة الثانية

          اختلفوا في الأسماء اللغوية : هل ثبتت قياسا أم لا ؟ فأثبته القاضي أبو بكر وابن سريج من أصحابنا وكثير من الفقهاء وأهل العربية ، وأنكره معظم أصحابنا والحنفية وجماعة من أهل الأدب مع اتفاقهم على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام وأسماء الصفات .

          أما أسماء الأعلام ؛ فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها ، والقياس لا بد فيه من معنى جامع : إما معرف وإما داع ، وإذا قيل في حق الأشخاص في زماننا : هذا سيبويه وهذا جالينوس ، فليس بطريق القياس في التسمية ، بل معناه : هذا حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز ، كما يقال : قرأت سيبويه والمراد به كتابه .

          وأما أسماء الصفات الموضوعة للفرق بين الصفات كالعالم وكالقادر ، فلأنها واجبة الاطراد ; نظرا إلى تحقق معنى الاسم ، فإن مسمى العالم من قام به العلم ، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم ، فكان إطلاق اسم العالم عليه بالوضع لا بالقياس ; إذ ليس قياس أحد المسميين [1] المتماثلين في المسمى على الآخر أولى من العكس ، وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة على مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما ، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل ، وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارقين من الأحياء في أخذ المال على سبيل الخفية ، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته للزاني في إيلاج الفرج المحرم . والمختار أنه لا قياس ; وذلك لأنه إما أن ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر ، أو للمعتصر من العنب خاصة ، أو لم ينقل شيء من ذلك .

          فإن كان الأول ، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس . وإن كان الثاني ، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم ولا يكون ذلك من لغتهم .

          [ ص: 58 ] وإن كان الثالث ، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على التعدية ، ويحتمل أن لا يكون دليلا بدليل ما صرح بذلك ، وإذا احتمل ، واحتمل فليس أحد الأمرين أولى من الآخر . فالتعدية تكون ممتنعة .

          فإن قيل : الوصف الجامع وإن احتمل أن لا يكون دليلا ، غير أن احتمال كونه دليلا أظهر ، وبيانه من ثلاثة أوجه :

          الأول : أن الاسم دار مع الوصف في الأصل وجودا وعدما ، والدوران دليل كون وجود الوصف أمارة على الاسم فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم .

          الثاني : أن العرب إنما سمت باسم الفرس ، والإنسان الذي كان في زمانهم ، وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع والمفعول نصب ، وإنما وصفوا بعض الفاعلين والمفعولين ، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في كل إنسان وفرس وفاعل ومفعول ، وليس ذلك إلا بطريق القياس .

          الثالث : قوله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) وهو عام في كل قياس ، ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي ، فإن كل ما ذكرتموه من الأقسام بعينه متحقق فيه ، ومع ذلك فالقياس صحيح متبع ، وهو أيضا على خلاف مذهب الشافعي فإنه سمى النبيذ خمرا وأوجب الحد بشربه وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى ، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل وتأول حديث ( الشفعة للجار ) بحمله على الشريك في الممر ، وقال : العرب تسمي الزوجة جارا فالشريك أولى .

          قلنا : جواب الأول : أن دوران الاسم مع الوصف في الأصل وجودا وعدما لا يدل على كونه علة للاسم بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا ، بل إن كان ولا بد فبمعنى كونه أمارة ، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة دار مع خصوص شدة المعتصر من العنب ، وذلك غير موجود في النبيذ فلا قياس ، [ ص: 59 ] ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة ، والفرس الأسود أدهم والملون بالبياض والسواد أبلق ، والاسم فيه دائر مع الوصف في الأصل وجودا وعدما ، ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة ، ولا الإنسان المسود أدهم ، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق ، وكل ما هو جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع .

          وجواب الثاني : أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على الإطلاق القياس ، بل العرب وضعت تلك الأسماء للأجناس المذكورة بطريق العموم لا أنها وضعتها للمعين ثم طرد القياس في الباقي .

          وجواب الثالث : بمنع العموم في كل اعتبار ، وإن كان عاما في المعتبر [2] ، فلا يدخل فيه القياس في اللغة ، وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه من جهة أن اجتماع الأمة من السلف عندنا أوجب الإلحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم الأصل ، حتى إنه لو لم يكن إجماع لم يكن قياس ، ولا إجماع فيما نحن فيه من الأمة السابقة على الإلحاق ، فلا قياس .

          وأما تسمية الشافعي رضي الله عنه النبيذ خمرا ، فلم يكن في ذلك مستندا إلى القياس ، بل إلى قوله عليه السلام : ( إن من التمر خمرا ) [3] ، وهو توقيف لا قياس ، وإيجابه للحد في اللواط وفي النبش ، لم يكن لكون اللواط زنى ولا لكون النبش سرقة ، بل لمساواة اللواط للزنى والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة للحد المعتبر في الشرع .

          وأما يمين الغموس ، فإنما سميت يمينا لا بالقياس بل بقوله صلى الله عليه وسلم : ( اليمن الغموس تدع الديار بلاقع ) [4] فكان ذلك بالتوقيف .

          [ ص: 60 ] وأما تسمية الشافعي للشريك جارا ، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على الزوجة ، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا لزيادة قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق ، فقال : الزوجة أقرب من الشريك وهي جار ، فلا يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها ، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة إلا أن غيره مخالف له ، والحق من قوليهما أحق أن يتبع .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية