الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط



( ( ولم تزل فيما مضى الأنباء من فضله تأتي لمن يشاء ) )      ( ( حتى أتى بالخاتم الذي ختم
به وأعلانا على كل الأمم ) )



( ( ولم تزل فيما ) ) أي في الزمن الذي ( ( مضى ) ) أي في سائر الأزمان الماضية ( ( الأنباء ) ) جمع نبي كالأنبياء والنبيين ( ( من فضله ) ) أي : من فضل الله سبحانه وتعالى ورأفته ولطفه لا من حيث أنه واجب عليه تعالى - كما تقدم بيانه ( ( تأتي ) ) بإبلاغ الشرائع وبيان الحق وإيضاح السبيل ( ( لمن ) ) أي : لكل أهل زمن من الأمم الماضية والقرون الخالية ( ( يشاء ) ) الله سبحانه وتعالى بتبليغ ما يشاء على ألسنة من شاء من أنبيائه لمن شاء من مكلفي عباده ، فلم تخل الأرض من داع يدعو إلى الله تعالى من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فيجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل ، وأنهم صادقون في ما أخبروا به عن الله تعالى إجمالا في من لم يعينوا ، كما دل على ذلك قوله تعالى ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) فدلت الآية الكريمة على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلا من تثبت تسميته ، فيجب الإيمان به على التعيين ، وكان مجيء الرسل والأنبياء في القرون الماضية والأزمان الخالية معروفا مستمرا من لدن الأب الأول الصفي عليه السلام ( ( حتى ) ) أي : إلى أن ( ( أتى بـ ) ) النبي ( ( الخاتم ) ) والرسول القائم نبينامحمد - صلى الله عليه وسلم - أي : إلى أن أرسله بخير كتاب وأتم شريعة وأفضل ملة وأكمل دين ( ( الذي ختم ) ) الله ( ( به ) ) النبيين والمرسلين ، وأكمل بدينه كل دين ، قال الله تعالى في محكم الذكر المبين : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) أي : الذي ختمهم وختموا به ، فلا نبي بعده ، وأخرج الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السلمي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ( إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ) ) الحديث ، وأخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ، وروي معناه من حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - ومن [ ص: 270 ] وجوه أخر مرسلة ، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكمله وأحسنه إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلون ويعجبون منها ويقولون : لولا موضع اللبنة - زاد مسلم - فجئت فختمت الأنبياء ) ) وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - معناه وفيه : فجعل الناس يطوفون به ويقولون : هلا وضعت اللبنة ، فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين ) ) .

وفي صحيح الحاكم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان بمكة يهودي يتجر فيها ، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود ؟ فقالوا : لا نعلمه ، فقال : ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة لها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس ، فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه ، فقالوا : أخرجي لنا ابنك ، فأخرجوه وكشفوا عن ظهره ، فرأى تلك الشامة ، فوقع اليهودي مغشيا عليه ، فلما أفاق قالوا : ويلك ما لك ؟ قال : ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل . وهذا الحديث يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ولد بخاتم النبوة بين كتفيه ، وخاتم النبوة من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - التي كان يعرفه بها أهل الكتاب ، ويسألون عنها ويطلبون الوقوف عليها .

وقد روي أن هرقل ملك الروم من النصارى أرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من ينظر له خاتم النبوة . وفي نبوة شعيا أن سلطانه - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - على كتفه يريد علامة نبوته .

وفي الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - ما نصه : قال أشعياء النبي عليه السلام ونص على خاتم النبوة : ولد لنا غلام يكون عجبا وبشرا ، والشامة على كتفيه آركون السلام ، وسلطانه سلطان السلام ، يجلس على كرسي داود . فالآركون هو المعظم بلغة الإنجيل ، والأراكنة المعظمون ، فشهد أشعياء بنبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بأخص علاماته وأوضحها ، وهى شامته ، فلعمري لم تكن الشامة لسليمان ولا للمسيح ، ووصفه بأنه يجلس على كرسي داود يعني أنه سيرث من بني إسرائيل نبوتهم ، وملكهم ، ويبتزهم رياستهم .

قال العلماء - رحمهم الله - في حكمة وجود الخاتم بين كتفيه أو على نغض كتفه [ ص: 271 ] الأيسر : هو على جهة الاعتبار أنه - صلى الله عليه وسلم - لما ملئ قلبه من الإيمان والأنوار ، وجمع له أجزاء النبوة وحواشيها ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا ، فلم تجد نفسه ولا عدوه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم ؛ لأن الشيء المختوم محروس كما بين لنا أنا إذا وجدنا الشيء بختمه زال الشك ، وانقطع الخصام فيما بين الآدميين ، فلذلك ختم رب العالمين في قلبه ختما يطمئن له القلب ، ألقى النور فيه ونفذت قوة القلب فظهر بين كتفيه كبيضة الحجلة كما أشار إليه أبو القاسم السهيلي - رحمه الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث