الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ( الباب السادس في ذكر الإمامة ومتعلقاتها ) )


( ( ولا غنى لأمة الإسلام في كل عصر كان عن إمام ) )


( ( يذب عنها كل ذي جحود     ويعتني بالغزو والحدود ) )


( ( وفعل معروف وترك نكر     ونصر مظلوم وقمع كفر ) )


( ( وأخذ مال الفيء والخراج     ونحوه والصرف في منهاج ) )



قال علماؤنا كغيرهم : نصب الإمام الأعظم فرض كفاية لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على أن نصبه واجب بعد انقراض زمن النبوة ، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، واختلافهم في تعيينه لا يقدح في الإجماع المذكور ، ولتلك الأهمية لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام أبو بكر - رضي الله عنه - خطيبا ، فقال : أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت فلا بد لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم .

قالوا : صدقت ، ننظر فيه ، فلهذا قلنا ( ( ولا غنى ) ) ولا مندوحة ، ولا بد ( ( لأمة ) ) دين ( ( الإسلام ) ) وهي بالضم الجماعة أرسل إليهم رسول والجيل من كل حي ومن هو على الحق مخالف لسائر الأديان ، والرجل الجامع للخير . وفي نسخة لملة بدل أمة وهي بكسر الميم الشريعة أو الدين ( ( في كل عصر ) ) من الأعصار وزمن من الأزمان ( ( كان ) ) أي وجد وحصل واستمر ( ( عن إمام ) ) متعلق بقوله لا غنى ، بل هو فرض لازم وواجب جازم ووجوبه عندأهل السنة وأكثر المعتزلة بالسمع يعني التواتر والإجماع . وزعم جمهور المعتزلة أن وجوبه بالعقل ، ووجه وجوبه شرعا لمسيس الحاجة إليه فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحماية البيضة [ ص: 420 ] والذب عن الحوزة ولهذا قال ( ( يذب ) ) - بفتح المثناة التحتية وضم الذال المعجمة وتشديد الموحدة - أي يدفع ويمنع ( ( عنها ) ) أي عن ملة الإسلام وبيضة الدين ( ( كل ) ) ملك جبار وملحد مغوار ومعتد مهزار وظلوم كفار ( ( ذي ) ) أي صاحب ( ( جحود ) ) أي إنكار يقال جحده حقه وبحقه كمنعه جحدا وجحودا أنكره مع علمه ، والمراد به هنا الجاحد للدين القويم والضال عن الصراط المستقيم وأضرابه ( ( ويعتني ) ) ذلك الإمام المنصوب - يقال عناه الأمر يعنيه ويعنوه عناية وعناية وعنيا أهمه واعتنى به اهتم - ( ( بالغزو ) ) أي غزو الكفار وقهر أهل البغي والفجار ، يقال غزاه غزوا أراده وطلبه وقصده كاغتزاه وغزا العدو سار إلى قتالهم وانتهابهم غزوا وغزوناه فهو غاز ، فيقاتل من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة ( ( و ) ) يعتني الإمام المنصوب أيضا بإقامة ( ( الحدود ) ) جمع حد وهو لغة المنع والفصل بين شيئين ، وحدود الله تعالى محارمه كقوله تعالى : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) وحدود الله أيضا ما حده وقدره ، والحدود العقوبات المقدرة سميت بذلك لأنها تمنع من الوقوع في مثل الذنب الذي رتبت تلك العقوبة عليه ، أو لكونها زواجر عنها أي المحارم التي حرمها الله تعالى ، فيقيم الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق العباد من الإتلاف والاستهلاك ، ( ( و ) ) يعتني أيضا بالأمر بـ ( ( فعل معروف ) ) ، وقد تكرر ذكره في الأحاديث النبوية والنصوص السماوية ، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات ، وهو من الصفات الغالبة أي أمر بالمعروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه ، ( ( وترك نكر ) ) معطوف على ما قبله أي ويعتني أيضا بالنهي عن كل منكر وهو ضد المعروف فكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر ( ( و ) ) يعتني المنصوب بـ ( ( نصر مظلوم ) ) من ظالمه بتخليصه من نحو سجنه ورد ظلامته عليه من ظالمه ، وأخذ حقه ممن هو عليه ونحو ذلك ( ( وقمع ) ) أهل ( ( كفر ) ) أي قهرهم وذلهم ، يقال : قمعه كمنعه وأقمعه والمقموع المقهور ، لأن ذلك من أجل المقاصد الشرعية والمصالح الإسلامية ( ( و ) ) يعتني أيضا [ ص: 421 ] بـ ( ( أخذ مال الفيء ) ) أصل الفيء مصدر فاء يفيء فيئا إذا رجع ، ثم أطلق على المال الحاصل من جهاته المذكورة في كتب الفقه سمي فيئا لأنه راجع منها إلى أهل الإسلام ، كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - روح الله روحه - في السياسة الشرعية : سمي فيئا لأن الله تعالى أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار ، فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته ، لأنه تعالى إنما خلق لعبادته فالكافرون به أباح أنفسهم التي لم يعبدوه بها وأموالهم التي لم يستعينوا بها على عبادته لعباده المؤمنين الذين يعبدونه ، فأفاء إليهم ما يستحقونه كما يعاد على الرجل ما غصب من ميراثه ، وإن لم يكن قبضه قبل ذلك . وهو ما أخذ من مال كافر بحق الكفر بلا قتال كالجزية ( ( والخراج ) ) وزكاة تغلبي وعشر مال تجارة حربي ونصفه من ذمي ، ( ( ونحوه ) ) أي نحو ما ذكر كالمال الذي تركه الكفار فزعا وهربوا وبذلوه فزعا منا في الهدنة وغيرها ، ولخمس الخمس من الغنيمة ، ومال من مات من الكفار ولا وارث له ، ومال المرتد إذا مات على ردته بقتل أو غيره أو لحق بدار حرب ، ( ( و ) ) يعتني أيضا بـ ( ( الصرف ) ) لذلك المال المذكور ( ( في منهاج ) ) أي طريق وجهة مصرفه المعينة له شرعا ، فيصرف في مصالح أهل الإسلام ، ويبدأ من ذلك بالأهم فالأهم من المصالح العامة لأهل الدار التي بها حفظ المسلمين من وظائف جند الإسلام وعمارة الثغور وكفاية أهلها ، وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين من السلاح والكراع وسد البثوق وكري الأنهار وعمل القناطر على الطرق والمساجد ، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين والفقهاء ومن يحتاج إليه المسلمون ، وكل ما يعود نفعه على المسلمين ، فإن فضل منه شيء قسم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم ، نعم لا يفرد العبد بالعطاء بل يزاد سيده ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - أنه لا حظ للرافضة فيه ، ذكره المحقق ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد عن الإمامين مالك وأحمد - رضي الله عنهما - .

وكل ما ذكر من إقامة الحدود وسد الثغور وحفظ بيضة الإسلام واجب ، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ، فلهذا قلنا ولا غنى لملة الإسلام [ ص: 422 ] عن إقامة إمام فنصبه فرض كفاية ، إذ في نصبه جلب منافع لا تحصى ودفع مضار لا تستقصى ، وكل ما كان كذلك فهو واجب ، فإن جلب المنافع ودفع المضار المترتبة على نصب الإمام تكاد تلحق بالضرورات بل بالمشاهدات بشهادة ما تراه من الفتن والفساد وانفصام أمور العباد بمجرد موت الإمام ، وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح والسداد ، فإقامة الإمام فرض كفاية عند أهل السنة ومن وافقهم بالإجماع ، وعند من قال بالوجوب عقلا من المعتزلة كأبي الحسين والجاحظ والخياط والكعبي فبالضرورة ، وأما مخالفة الخوارج ونحوهم في الوجوب فلا اعتداد بها ، لأن مخالفتهم كسائر المبتدعة ليس قادح في الإجماع ولا يخل بما يفيده من القطع بالحكم المجمع عليه .

ودعوى أن في نصبه ضررا من حيث إلزام من هو مثله بامتثال أوامره فيه إضرار به فيؤدي إلى الفتنة ، ومن حيث إنه غير معصوم من نحو الكفر والفسوق ، فإن لم يعزل أضر بالناس وإن عزل أدى إلى محاربة وفيها ضرر باطلة لا ينظر إليها لأن الإضرار اللازم من ترك نصبه أعظم وأقبح ، بل لا نسبة بينهما ، وإذا اجتمع ضرران دفع أعظمهما بأخفهما وجوبا ، وفرض انتظام الناس بدون إمام محال كما هو مشاهد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث