الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( فالحد وهو أصل كل علم وصف محيط كاشف فافتهم ) )


( ( وشرطه طرد وعكس وهو إن     أنبا عن الذوات فالتام استبن ) )


( ( وإن يكن بالجنس ثم الخاصه     فذاك رسم فافهم المحاصه ) )

( ف ) إذا عرفت ما ذكرناه لك من التمهيد وطلبت تعريف الحد المذكور ، ف ( الحد ) في اللغة المنع ، ومنه سمي البواب حدادا لأنه يمنع من يدخل الدار ، والحدود حدودا لأنها تمنع من العود إلى المعصية ، وسمي التعريف حدا لمنعه الداخل فيه من الخروج عنه والخارج عنه من الدخول فيه ، وقوله ( ( وهو ) ) أي الحد ( ( أصل كل علم ) ) جملة معترضة بين المبتدأ الذي هو الحد وخبره الذي هو وصف إلخ ، وإنما كان أصلا للعلوم لأن من لا يحيط به علما لا ينتفع بما عنده ، قال الفخر أبو محمد إسماعيل البغدادي من علمائنا : الحد على الحقيقة أصل كل علم فمن لا يحيط به علما لا نفع [ ص: 441 ] له بما عنده ، وقاله غيره وهو صحيح كما في شرح مختصر التحرير ، والحد في الاصطلاح ( ( وصف محيط ) ) بموصوفه ، قال الإمام القاضي أبو يعلى من أئمة علمائنا : معنى الحد هو الجامع لجنس ما فرقه التفصيل المانع من دخول ما ليس من جملته فيه ، وفي التحرير : المحيط بمعناه أي بمعنى المحدود فكأنه قال : حد الشيء الوصف المحيط بمعناه ، ( ( كاشف ) ) بالرفع عطف على محيط الذي هو نعت لوصف أي مميز للمحدود عن غيره ، ولذا قال الغزالي : قيل حد الشيء نفسه وذاته ، وقيل هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ويمنع . وقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين : إنه قول يكشف حقيقة الحدود . وذكر فيه ثمانية أقوال .

( ( فافتهم ) ) أمر بالانفعال ؛ لقبول الفهم بالتفهم ، والفهم إدراك معنى الكلام بسرعة كما في واضح ابن عقيل ، واستظهروا عدم تقييده بسرعة كما قاله الطوفي في شرح مختصره ، وتبعه العلامة أبو بكر الجراعي في حواشي أصول ابن اللحام ، قال الطوفي : لأن من سمع كلاما ولم يدرك معناه إلا بعد شهر أو أكثر قيل فهم ، وبذلك يقال الفهم إما بطيء أو سريع فينقسم إليهما ، ومورد القسمة مشترك بين الأقسام نعم السرعة قيد في الفهم الجيد . انتهى . - وقيل : الفهم جودة الذهن من جهة تهيئه لاقتباس ما يرد عليه من الطالب ، والذهن قوة النفس المستعدة لاكتساب الحدود والآراء . ( وشرطه ) أي شرط كون الحد صحيحا ، والشرط في اللغة العلامة ، وفي العرف ما يعتبر للحكم وهو ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم فلا يوجد المشروط مع عدم شرطه ، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ، وهو عقلي ولغوي وشرعي ، فالعقلي كالحياة للعلم ، واللغوي كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق ، والشرعي كالطهارة للصلاة ، ( ( طرد ) ) خبر المبتدأ الذي هو شرطه ، وهو المانع الذي كلما وجد الحد وجد المحدود ، ( ( وعكس ) ) وهو الجامع الذي كلما وجد المحدود وجد الحد فهذا عكس الاطراد ويلزم من [ ص: 442 ] ذلك أنه كلما انتفى الحد انتفى المحدود . وقال الجراعي في الحواشي : المطرد هو الذي إذا وجد الحد وجد المحدود وهو المانع ، قال : والمنعكس هو الذي إذا عدم الحد عدم المحدود وهو الجامع ، قال : وهذا قول الجمهور ومنهم الغزالي وابن الحاجب وابن مفلح ، قال : وعكس القرافي والطوفي فقالا : المطرد هو الجامع والمنعكس هو المانع ، وذكر أبو علي التميمي في كتاب التذكرة في أصول الدين أن هذا التعريف للحد قول المتكلمين ، وأما المناطقة فقالوا : إنه القول الدال على ماهية الشيء وهو ما يتحصل من جنس التعريف وفصله ، قال : ولا يحتاج فيه إلى ذكر الطرد والعكس لأن ذلك يتبع الماهية . واعلم أن الحد من حيث هو تام ، ورسمي ، ولفظي .

ولذا قال ( ( وهو ) ) أي الحد ( ( إن أنبأ ) ) أي دل وكشف ( ( عن الذوات ) ) أي ذاتيات المحدود الكلية المركبة كما إذا قيل : ما الإنسان ؟ فيقال : حيوان ناطق ، ( ( ف ) ) هو أي الحد الذي أنبأ عن ذاتيات المحدود الحقيقي ( ( التام ) ) وهو الأصل وله حد واحد لأن ذات الشيء لا يكون له حدان ، مثاله حيوان ناطق فإنه حد للإنسان ، فإن قيل : جميع ذات الشيء عين الشيء والشيء لا يفسر نفسه ، فالجواب أن دلالة المحدود من حيث الإجمال ودلالة الحد من حيث التفصيل ، فليس عينه من كل وجه فصح تعريفه به ، ولذلك لم يجعل اللفظان مترادفين إلا إذا كان الحد لفظيا ، فلذا قال ف ( ( استبن ) ) أي اطلب البيان والكشف عن حقيقة الحد فإن هذا هو الحد الحقيقي التام المنبئ عن ذاتيات المحدود . وإن كان بفصل قريب فقط من غير ذكر جنس فحد حقيقي ناقص كما إذا قيل : ما الإنسان ؟ فقلت : ناطق . وكذا إن كان بفصل وجنس بعيد كجسم ناطق بالنسبة إلى الإنسان ، ( ( وإن يكن ) ) الحد مركبا ( ( بالجنس ) ) أي من الجنس القريب ( ( ثم الخاصة ) ) مثل ذلك حيوان ضاحك بالنسبة إلى الإنسان ، ( ( فذاك ) ) المركب من جنس قريب خاصة نحو الضاحك ( ( رسم ) ) تام ، فإن الضاحك عرض في الفعل مفارق لا بالقوة ، وسمي خاصة لاختصاصه بحقيقة واحدة بالقوة أو الفعل بالنسبة إلى الإنسان ، لأن الضحك بالقوم لازم لماهية الإنسان مختص بها وبالفعل مفارق لها مختص [ ص: 443 ] بها ، وتعريف الخاصة هي كلية تقال على ما تحت حقيقة واحدة فقط قولا عرضيا .

وإن كان الحد بها أي الخاصة فقط كقولك الإنسان ضاحك سمي رسما ناقصا ، كذا إن كانت الخاصة من جنس بعيد كقولك الإنسان جسم ضاحك ، ( ( فافهم المحاصة ) ) - بضم الميم فحاء مهملة مفتوحة فألف فصاد مهملة مدغمة في مثلها فهاء تأنيث - أي المقاسمة يقال حصص الشيء تحصيصا وحصحص : بان وظهر ، وتحاصوا وحاصوا اقتسموا حصصا كما في القاموس ، قال : والحصة بالكسر النصيب . والمراد افهم ما بين الحد الحقيقي التام كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان ، والحقيقي الناقص وله صورتان : الأولى أن يكون بفصل قريب فقط كالناطق بالنسبة إلى الإنسان ، أو بالفصل مع جنس بعيد كالجسم الناطق بالنسبة إلى الإنسان أيضا ، وكذا افهم الرسم الحقيقي التام والرسم الناقص على ما ذكرنا . والجنس كلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو ؟ كالحيوان بالنسبة إلى أنواعه نحو الإنسان والفرس ، والنوع كلي مقول على كثيرين مختلفين بالعدد دون الحقيقة في جواب ما هو ؟ كالإنسان بالنسبة إلى زيد وعمرو نحوهما من أفراده . والفصل غير مقول في جواب ما هو بل في جواب أي شيء هو في ذاته ؟ وهو الذي يميز الشيء عما يشاركه في الجنس كالناطق بالنسبة إلى الإنسان . والحد اللفظي ما كان بلفظ مرادف أظهر عند السائل من المسئول عنه ، كما لو قال قائل : ما الخنريس ؟ فيقال هو الخمر . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث