الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان القدر المشروع للإمام في الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ومعلوم أن الأمراء بالعراق الذين شاهدوا ما عليه أمراء البلد ، وهم أئمة ، ولم يبلغهم خلاف ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأوا من شاهدوهم من أهل العلم والدين لا يعرفون غير ذلك ، فظنوا أن ذلك هو من أصل السنة ، وحصل بذلك نقصان في وقت الصلاة وفعلها فاعتقدوا أن تأخير الصلاة أفضل من تقديمها كما كان الأئمة يفعلون ذلك ، وكذلك عدم إتمام التكبير وغير ذلك من الأمور الناقصة عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان ابن مسعود يتأول في بعض الأمراء الذين كانوا على عهده أنهم من الخلف الذين قال الله تعالى فيهم : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ) فكان يقول : " كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير ؟ إذا ترك فيها شيء قيل : تركت السنة ؟ فقيل : متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال : ذلك إذا ذهب علماؤكم وقلت فقهاؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة ، وتفقه لغير الدين " ، وكان عبد الله بن مسعود يقول أيضا : " أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال ، أمور تكون من كبرائكم ، فأيما رجل أو امرأة [ ص: 109 ] أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول " .

ومن هذا الباب أن عمر بن عبد العزيز لما تولى إمارة المدينة في خلافة الوليد ابن عمه - وعمر هذا هو الذي بنى الحجرة النبوية إذ ذاك - صلى خلفه أنس بن مالك رضي الله عنه ، فقال ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه : " ما صليت وراء أحد بعد رسول صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى " يعني : عمر بن عبد العزيز ، قال : " فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات ، وفي سجوده عشر تسبيحات " وهذا كان في المدينة ، مع أن أمراءها كانوا أكثر محافظة على السنة من أمراء بقية الأمصار ، فإن الأمصار كانت تساس برأي الملوك ، والمدينة إنما كانت تساس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا ، ولكن كانوا قد غيروا أيضا بعض السنة ، ومن اعتقد أن هذا كان في خلافة عمر بن عبد العزيز فقد غلط ، فإن أنس بن مالك رضي الله عنه لم يدرك خلافة عمر بن عبد العزيز ، بل مات قبل ذلك بسنتين .

وهذا يوافق الحديث المشهور الذي في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن عون بن عبد الله ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات : سبحان ربي العظيم - وذلك أدناه - وإذا سجد فليقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا ، وذلك أدناه " ، قال أبو داود : هذا مرسل ؛ عون لم يدرك عبد الله بن مسعود ، وكذلك قال البخاري في تاريخه ، وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل ، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود ، عون هو من علماء [ ص: 110 ] الكوفة المشهورين ، وهو من أهل بيت عبد الله ، وقيل : إنما تلقاه من علماء أهل بيته ؛ فلهذا تمسك الفقهاء بهذا الحديث في التسبيحات لما له من الشواهد ، حتى صاروا يقولون في الثلاث : إنها أدنى الكمال أو أدنى الركوع ، وذلك يدل على أن أعلاه أكثر من هذا .

فقول من يقول من الفقهاء : إن السنة للإمام أن يقتصر على ثلاث تسبيحات من أصل الشافعي وأحمد رضي الله عنهما وغيرهم ، هو من جنس قول من يقول : من السنة أن لا يطيل الاعتدال بعد الركوع أو أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت أو نحو ذلك ، فإن الذين قالوا هذا ليس معهم أصل يرجعون إليه من السنة أصلا ، بل الأحاديث المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك كما تقدم دلالة الأحاديث عليه ، ولكن هذا قالوه لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أم أحدكم الناس فليخفف ، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء " ولم يعرفوا مقدار [ التطويل ] ولا علموا التطويل الذي نهى عنه لما قال لمعاذ : " أفتان أنت يا معاذ ؟ " فجعلوا هذا برأيهم قدرا للمستحب ، ومن المعلوم أن مقدار الصلاة - واجبها ومستحبها - لا يرجع فيه إلى غير السنة ، فإن هذا من العلم الذي لم يكله الله ورسوله إلى آراء العباد ؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمسلمين في كل يوم خمس صلوات ، وكذلك خلفاؤه الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم ، فيجب البحث عما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا ينبغي أن يوضع فيه حكم بالرأي ، وإنما يكون اجتهاد الرأي فيما لم تمض به سنة عن [ ص: 111 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يجوز أن يعمد إلى شيء مضت به سنة فيرده بالرأي والقياس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث