الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              وكذلك أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - في قصته وقصة أصحابه لما جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحملونه - فقال : " والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه " ، ثم قال : " إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " ، وفي رواية في الصحيحين : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " .

              [ ص: 342 ] وروى مسلم في صحيحه عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا حلف أحدكم على اليمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفرها وليأت الذي هو خير " . وفي رواية لمسلم أيضا : " من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفرها وليأت الذي هو خير " .

              وقد رويت هذه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير هذه الوجوه - من حديث عبد الله بن عمر ، وعوف بن مالك الجشمي .

              فهذه نصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتواترة أنه أمر " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير " ، ولم يفرق بين الحلف بالله أو النذر ونحوه . ورواه النسائي عن أبي موسى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيته " ، وهذا صريح في أنه قصد تعميم كل يمين في الأرض ، وكذلك أصحابه فهموا منه دخول الحلف بالنذر في هذا الكلام .

              فروى أبو داود في سننه : حدثنا محمد بن المنهال ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا [ حبيب بن المعلم ] عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن المسيب : " أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث ، فسأل أحدهما صاحبه القسمة ، فقال : إن عدت تسألني القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة ، فقال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ، كفر عن يمينك ، وكلم أخاك ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يمين عليك ولا [ ص: 343 ] نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم ، ولا فيما لا تملك " .

              فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمر هذا الذي حلف بصيغة الشرط ونذر نذر اللجاج والغضب : بأن يكفر عن يمينه وأن لا يفعل ذلك المنذور . واحتج بما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك " .

              ففهم من هذا : أن من حلف بيمين أو نذر على معصية أو قطيعة ، فإنه لا وفاء عليه في ذلك النذر ، وإنما عليه الكفارة كما أفتاه عمر . ولولا أن هذا النذر كان عنده يمينا لم يقل له : " كفر عن يمينك " ، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يمين ولا نذر ؛ لأن اليمين ما قصد بها الحض أو المنع ، والنذر : ما قصد به التقرب ، وكلاهما لا يوفى به في المعصية والقطيعة .

              وفي هذا الحديث دلالة أخرى ، وهي أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يمين ولا نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم " يعم جميع ما يسمى يمينا أو نذرا ، سواء كانت اليمين بالله ، أو كانت بوجوب ما ليس بواجب من الصدقة أو الصيام أو الحج أو الهدي ، أو كانت بتحريم الحلال ، كالظهار والطلاق والعتاق .

              ومقصود النبي - صلى الله عليه وسلم - : إما أن يكون نهيه عن فعل المحلوف عليه من المعصية والقطيعة فقط ، أو يكون مقصوده مع ذلك : أنه لا يلزمه ما في اليمين والنذر من الإيجاب والتحريم .

              وهذا الثاني هو الظاهر ، لاستدلال عمر بن الخطاب به ، فإنه [ ص: 344 ] لولا أن الحديث يدل على هذا لم يصح استدلال عمر بن الخطاب به على ما أجاب به السائل من الكفارة ، دون إخراج المال في كسوة الكعبة ، ولأن لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - يعم ذلك كله .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية